رجائى عطية

فاطمة الزهراء والفاطميون 6

شارك الخبر مع أصدقائك

وفاتها

بدأ الأستاذ العقاد هذا الفصل، بإيراد نص بعض ما قاله فى «عبقرية محمد»، ولحرصه على ذلك، فإن الواجب يقتضى أن أورد كلامه بنصه كما أراد. قال:

«حفظ النوع سر من أسرار الحياة الكبرى التى دقت عن الفهم وحارت فى تعليلها عقول الأساطين من أهل العلم والحكمة، وهو ولا ريب يجرى على قانون مطرد فى جميع طبقات الأحياء، وإن كنا لا نعلم كنهه ولا نسبر عمقه ولا نزيد على استقصاء بعض الملاحظات التى تقارب الحقيقة، أو هى أقرب ما نستطيع الوصول إليه.

«وأهم هذه الملاحظات التقريبية أنه يجرى على سنة المكافاة والتعويض فى معظم حالاته، فيقابل النقص فى جانب بالزيادة فى جانب آخر، ويقابل القصور فى مزية من المزايا بالإتقان فى مزية أخرى.

«فالأحياء السفلى عرضه للعطب الكثير فى طور الولادة والحضانة، فيقابل هذا أن الأحياء السفلى ترسل ذرياتها بالألوف وألوف الألوف، فيبقى منها القليل الكافى لدوام النوع بعد فناء الكثير.

«والأحياء العليا يقل عدد المولود منها فى البطن الواحد، فيقابل هذا أن تطول حضانتها والعناية بها، وتجد من وسائل الصيانة ما يعوض الكثرة فى الأحياء السفلى.

«ويغلب أن يزيد النسل حين تكون زيادة النسل هى الوسيلة الوحيدة التى يستطيعها الفرد لخدمة نوعه وضمان دوامه، فإذا تيسرت للفرد وسائل مختلفة لخدمة نوعه فقد يجوز ذلك على نسله وينتقص من قسمة فى أبنائه، كأنما خدمة النوع ضريبة مفروضة على كل فرد فى الصور الأخرى، أو كأنما هى مواهب وأرزاق لا يستوفيها الفرد الواحد إلا بثمن غال يحسب عليه، ويؤدى حسابه للنوع على نحو من الأنحاء.

«والإنسان هو أقدر المخلوقات الحية على خدمة نوعه بوسائل كثيرة لا تنحصر فى تجديد النسل وزيادة عدده.

«فهل يجوز لنا أن نقول إن العظماء الذين حرموا النسل قد أدوا ضريبتهم بإصلاح شؤون الناس فلم يبق من اللازم المفروض عليهم أن يؤدوا هذا الضريبة من طريق الذرية ؟

«إن قلنا ذلك فإنما نقوله على سبيل الملاحظة التقريبية التى أشرنا إليها، ولا نبلغ بتلك الملاحظة فوق مبلغها من اليقين الذى تستحقه، فغاية مبلغها عندنا أنها تستوقف النظر للتأمل والمراجعة ولا تفضى بنا إلى الجزم أو إلى التغليب.

«فبعض العظماء من أكبر خدام النوع لم يتزوجوا، وفيهم أنبياء معظمون لا شك فى سيرتهم من هذه الناحية، كعيسى عليه السلام.
«وبعض العظماء الذين تزوجوا لم يرزقوا الذرية، أو رزقوا ذرية كلها أناث، أو رزقوا ذرية من الإناث والذكور ولم يعيشوا، أو عاشوا ولم يعمروا ولا كانوا على حالة مستحبة من الصحة والنجابة.

«وتواريخ العظماء فى جميع نواحى العظمة، وفى جميع الأمم، وفى جميع العصور، حافلة بالشواهد التى تعزز تلك الملاحظة وتجعلها خليقة بالتأمل والمراجعة، يدخل فيهم العلماء كما يدخل فيهم رجال الفنون والمخترعون ويدخل فيهم القادة العسكريون، ولا يصعب على أحد أن يدير بصره إلى فترة من الزمن فى بلد قريب يعرفه حق المعرفة ليشاهد مصداق ذلك فى نفر من عظمائه ومشهوريه، وحسبنا فى مصر أسماء جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده وسعد زغلول وعبد الله نديم ومصطفى كامل ومصطفى فهمى ومحمود سامى البارودى وحافظ إبراهيم.

«فإذا جاز لنا أن نقف عند تلك الملاحظة وأن نتأمل مغزاها، وجاز لنا أن نفهم أن إصلاح شؤون النوع الإنسانى ضريبة تغنى عن ضريبة الذرية فى بعض الأحوال، فأين ترانا نجد تلك الضريبة فى أرفع حالة وأغلى قيمة إن لم نجدها فى رسالة نبوية تتناول الأجيال وتتناول الملايين فى كل جيل ؟ وأى أبوة روحانية تغنى عن أبوة اللحم والدم كما تغنى أبوة النبى الذى يتكفل بتربية الأرواح فى أمته، وفى أمم لا يلقاها فى زمانه، وأمم لا تزال تستجد بعد زمانه إلى أقصى الزمان؟

«نذكر هذا حين حظ محمد من الأبوة الروحية ومن الأبوة النوعية، ونرى تكافؤا فى الجانبين جديرًا بالملاحظة والاعتبار».

* * *

أضاف الأستاذ العقاد أنه أيضًا يذكر هذا حين وفاة الزهراء فى زهرة الشباب.. فى الثلاثين أو ما دون الثلاثين.

ويلاحظ الأستاذ العقاد أن جميع الذكور من ذرية محمد- عليه السلام ماتوا صغارًا لم يجاوزوا سن الرضاع، ومن عاش من ذريته من الإناث لم يرزقن بأطفال طول العمر، ومنهن من لم تُرزق قوة البنية فى عنفوان الشباب.

والزهراء كانت نحيلة سمراء، يخالط لونها شحوب فى كثير من الأحيان، وقد قال لها النبى فى مرض وفاته إنها أسرع أهله لحوقًا به، فلم تمض ستة أشهر- وقيل أقل- حتى لحقت به فى تلك السن التى تستقبل فيها الحياة !

وكان يلم بالزهراء ما تشكو منه، فيعودها النبى ليواسيها فى مرضها وفى حاجتها، وسألها مرة: «كيف تجدينك يا بنية ؟» فقالت «إنى لوجعة» ثم قالت: «وإنه ليزيدنى أنى ما لى طعام آكله..»، فاستصبر عليه الصلاة والسلام وقال لها: «يا بنية ! أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين !».

وزارها يومًا وهى تطحن بالرحى وعليها كساء خشن من وبر الإبل، فبكى وقال لها:
«تجرعى يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة».

رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك