فاطمة الزهراء والفاطميون 4

شارك الخبر مع أصدقائك

زواجها

أوفق الروايات أن الزهراء ولدت فى سنة بناء الكعبة قبل البعثة المحمدية ببضع سنوات، وأصح الأقوال أنها عليها السلام قد تزوجت وهى فى نحو الثامنة عشرة.

ويتضح من جملة الأخبار أن النبى عليه السلام كان يستبقيها لابن عمه وربيبه علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وقد خطبها أبو بكر وعمر، فردهما بأنه ينتظر بها القضاء، أو لأنها صغيرة.

وأورد ابن الأثير فى أسد الغابة، أن عمر حين أبى النبى خطبتها له، قال عمر:
«أنت لها يا علىّ !»، فيما يبدو أنه قد استنتج ما يدور بخلد النبى عليه السلام، فقال له علىّ: «ما لى من شىء إلاَّ درعى أرهنها».

وقد روى أن فاطمة بكت يوم خطبت لعلىّ، فسألها رسول الله: «ما لك تبكين يا فاطمة ! فوالله لقد أنكحتك ( زوجتك ) أكثرهم علمًا وأفضلهم حلمًا وأولهم سلمًا».

وفى رواية أن النبى حين سأل عليًّا: «هل عندك شىء؟»، قال: «كلا»، فسأله عليه الصلاة والسلام عن درعه الحطمية ( أى التى تحطم السيوف )، وكان النبى قد أهداها إليه، فباعها علىّ وباع أشياء غيرها كانت عنده، ليكون من ثمنها صداق لفاطمة، فاجتمعت له أربعمائة درهم.

وقد أورد صاحب الأنساب رواية أخرى عن علىّ نفسه، تتفق إجمالاً مع هذه الرواية.

وفى طبقات ابن سعد، ما يفيد أن النبى عليه السلام حين اعتذر عن قبول خطبة أبى بكر وعمر للزهراء قال: «هى لك يا علىّ ! لست بدجال» يعنى لست بكذاب، ذلك أنه كان قد وعد عليًّا بها قبل أن يخطبها.

ويروى عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال لفاطمة:«ما أليت أن أزوجك خير أهلى».

ولم يكن لها من جهاز لزواجها غير سرير مشروط ( ضيق ) ووسادة من أدم حشوها ليف , وإناء للغسيل، وسقاء، ومنخل، ومنشفة، وقدح، ورحاءان ( من الرحى )، وجرّتان.

الاحتفال البسيط بالزواج

كلف النبى عليًّا بأن يدعو للعرس أبا بكر وعمر وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، فلما أخذوا مجالسهم، قال النبى عليه السلام:
«الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته، المطاع لسلطانه، المهروب إليه من عذابه، النافذ أمره فى أرضه وسمائه، الذى خلق الخلق بقدرته ونيرهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسبًا لا حقًا وأمرًا مفترضًا وحكمًا عادلاً وخيرًا جامعًا، أوشج بها الأرحام وألزمها الأنام. فقال الله عز وجل: «وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا »، وأمر الله يجرى إلى قضائه، وقضاؤه يجرى إلى قدره، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ثم إن الله تعالى أمرنى أن أزوج فاطمة من علىّ وأُشهدكم أنى زوجت فاطمة من علىّ على أربعمائة مثقال فضة إن رضى بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأمة، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم».

قال أنس: «وكان علىّ عليه السلام غائبًا فى حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه فيها. ثم أمر لنا بطبق فيه تمر فوضع بين أيدينا، فقال: انتبهوا. فبينما نحن كذلك إذا أقبل علىّ فتبسم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا علىّ ! إن الله أمرنى أن أزوجك فاطمة، وأنى زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة، فقال علىّ رضيت يا رسول الله ! ثم إن عليًّا خر ساجدًا شكرًا لله، فلما رفع رأسه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيب».

قال أنس: «والله لقد أخرج منهما الكثير الطيب».

ولم يجمع كُتّاب السيرة على الوقت الذى تم فيه الزواج، ولكنهم قالوا إنه كان بعد الهجرة وبعد بدر، وكانت كما تقدم فى نحو الثامنة عشرة، ويكبرها علىّ ببضع سنوات.

● ● ●

ولا يفوت الأستاذ العقاد اتساقًا مع الأمانة العلمية، أن يذكر أنه توخى فى اقتباس هذه الأخبار الرجوع فيها إلى الأوسط الأمثل بين أقوال الرواة والمحدثين.

وأنه يعنى بالأوسط الأمثل أن يكون الترجيح بين الروايات المختلفة قائمًا على المقابلة والموازنة والرجوع إلى حوادث الزمن وعادات أهله، وإلى الأحرى أن يصدر ممن أسند إليهم القول أو العمل.

فمن المعقول مثلاً أن يُؤْثِر النبى عليًّا بفاطمة وهما ربيبان فى نشأة واحدة.

ومن المعقول أن يُؤْثِر زواجها من علىّ، على مشاركتها لزوجات أخريات فى منزل أبى بكر وعمر.

ومن المعقول أن يترد علىّ فى خطبتها لفقره.
ولا يخالف المعقول أن يقدم بعد تردد لشعوره بأنه مخصوص بها.

ولا يخالف المعقول أن يتأخر الزواج إلى ما بعد الهجرة، فلم تكن ظروف الداعى والدعوة تسمح بالمعاجلة إليه فى مكة وسط ما كان يتعرض له الرسول عليه السلام من شنف قريش وتربصها به وملاحقتها له، وتخلخل الاستقرار.

وفى تاريخ الزهراء مثال للعبرة فيما يقول الأستاذ العقاد التى تستخلص من الموازنة بين كتابات القدماء الممحصة من المجمع عليها أو ما يشبه الإجماع، وبين كتابات المحدثين ومنهم أشر الجهلاء كما كان حال بعض المستشرقين، ومنهم من حاول كتابة سيرة للزهراء حاول فيها أن يطبق العلم العصرى المقلوب، فإذا هو منقلب عليه.

ومن هذه الأكاذيب أو الترهات والتفاهات، الزعم بأن زواج الزهراء تأخر لسن الثامنة عشرة لأنها كانت محرومة من الجمال.

وهو زعم باطل، آيته أنها ولدت لأبوين جميلين، وأن أخواتها تزوجن من ذوى غنى وجاه، كأبى العاص بن الربيع وعثمان بن عفان.

والمشهور المتواتر أن الزهراء بلغت سن الزواج والدعوة المحمدية فى إبانها تلاقى من العنت والإيذاء ما تحدثت به المجلدات.

وفى وسع كل منصف موضوعى، أن يتصور أن يخص النبى بها ابن عمه، وينتظر بها يوم البت حين تهدأ الأحوال وتستقر، وليكون الزواج خطوة مباركة فى توقيت مبارك.

وقد ضرب الأستاذ العقاد الأمثلة لأخطاء من أخطأ من العلماء والمستشرقين، يمر بها لعبرتها النافعة فى وزن التواريخ العصرية المزعومة، وبيان ما طويت عليه من أخطاء تنوعت دوافعها.

ثم ماذا لو كانت الزهراء- جدلاً- محرومة من الجمال؟! هل يمثل ذلك مهانة أو يخل بمكانتها وشرفها وانتمائها إلى أكرم الأبوات.

نعم كانت عليها الرضوان ذات مزاج حزين وأسى دفين، له أسبابه التى سلفت الإشارة إليها، ونعم كان عليه الصلاة والسلام يحنو عليها لضعفها وحزنها، ولا يصبر على فراقها، ويسميها «أم أبيها».

جاء فى كتاب «السمهودى» عن أخبار دار المصطفى عليه السلام: «إن بيت فاطمة رضى الله عنها فى المكان الذى بينه وبين بيت النبى عليه السلام خوخة ( كوة صغيرة فى البيت لمرور الضوء ).. وكانت فيه كوة إلى بيت عائشة رضى الله عنها، فكان الرسول- صلى الله عليه وسلم إذا قام اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم، وقد تصادف لمرض الحسن والحسين أن تناجت الزهراء مع علىّ ليلاً لشراء أدم يتداويان به، وقد سمعت عائشة هذا الحديث فى جوف الليل وذكرت للرسول ما وقع بينهما، فلما أصبحوا طلبت الزهراء من أبيها أن يسد الكوة فسدها.

ولا محل لتحميل سد الكوة لأخذه على غير محمله، فإن الثابت أن الرسول عليه السلام كان يأتى باب علىّ وفاطمة والحسن والحسين كل يوم عند صلاة الصبح، فيأخذ بعضادتى الباب، ويقول: السلام عليكم أهل البيت.
ويقول: الصلاة ! ثلاث مرات، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا..
وكان عليه السلام إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يثنّى بفاطمة، ثم يأتى بيته.

وكانت الزهراء شديدة العناية بأى تلميح من أبيها، فحين رأت أنه لم يرتح إلى مسكتين وقلادة وستر، وقال كلامًا فى المسجد فهمت منه أنه يقصد ذلك، بادرت فنزعت القلادة ومسكتيها والستر، وبعثت بها إلى الرسول، ومعها رسالة منها تقرئه السلام وتسأله أن يجعلها فى سبيل الله، فانشرح الرسول وقال: قد فعلت، فداها أبوها، ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد».

عاشت الزهراء حياتها- وأسرتها- عيشة كفاف وخدمة يتعاون فيها رب البيت وربته، وما لبث هذا الزواج المبارك أن قدم ذرية صالحة: الحسن، والحسين، ومحسن، وزينب، وأم كلثوم.

وكان أسعد ما تسعد به هذه الأسرة عطف الأب الأكبر- عليه الصلاة والسلام- الذى كان يواليهم صباحًا ومساءً، ولا يصرفه عنهم شاغل أيًا كان من شواغله الجسام.

رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك