غياب الوعي أم فقدان الإحساس؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية 
 
علي رأس الصفحة التاسعة، لإحدي صحفنا القومية بعددها 15/10/2010 طالعت »مانشيت« سماويا عريضا يقول سطره الأول: »عباس متفائل بنجاح الجهود الأمريكية باستئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل«.
 
ويقول سطر المانشيت الثاني: »مخطط إسرائيلي لإقامة 13 ألف وحدة استيطانية جديدة بالأراضي المحتلة«.
 
أما السطر الثالث فيقول: »إسرائيل تبرم اتفاقاً بقيمة 400 مليون دولار لبيع طائرات تجسس إلي روسيا«.
 
لم أصدق عيناي وأنا أطالع هذه الأشتات المتباينة بلا تعقيب ولا تعليق، بل وبلا علامة تعجب توري بتنبه الجريدة إلي تناقض تفاؤل السيد عباس، مع خبر أو مصيبة إقامة إسرائيل 13 ألف وحدة استيطانية جديدة بالأراضي المحتلة، ولا مع معني أن إسرائيل بلغت في انتشارها وتفشيها حد إمداد روسيا ـ هل تذكرونها؟! ـ بطائرات تجسس في اتفاق بقيمة 400 مليون دولار!!
 
لم أفهم معني أن مجرد نجاح الجهود الأمريكية في استئناف المفاوضات (المباشرة) ـ شئ يدعو في ذاته للتفاؤل، وزاد استغلاق الفهم علي، وتعجبي من جمع الأشتات بلا تفطن ولا حتي علامة تعجب، أن يقرن نبأ »تفاؤل« السيد عباس، بمصيبة تخطيط إسرائيل لإقامة 13 ألف وحدة إستيطانية جديدة بالأراضي المحتلة المفترض أنها ستعاد إلي الفلسطينيين في إطار المفاوضات (المباشرة!) التي أبهجت وتبهج السيد عباس.. فإذا كان المقصود في اختيار مفارقات سطور المانشيت لفت أنظار عباس والقراء إلي هذه المصيبة التي تعبر عن غياب الوعي، فإن الفطنة المفترضة في الصحيفة وصانع المانشيتات، توجب أن يفصح عن مراده في تعقيب أو علي الأقل بعلامات تعجب توضع في موضعها، وألا يترك المفارقة لملاحظة قد تنتبه إلي ما وراء السطور وقد لا تنتبه، اللهم إلاّ أن تكون الفطنة غائبة أيضا عن ذات كاتب هذه المانشيتات ومضمون الخبر، وعن الصحيفة ذاتها، وهذه في ذاتها مصيبة.. لأنها توري بأن الموت قد زحف علي وعي الجميع، وأن المهزلة التي نعيشها قد بلغت مداها وعششت في نفوس الناس حتي لم يعد لدي أحد القدرة علي الغضب أو الغيرة أو حتي فهم ما يجري والانتباه إليه.. والأغرب أن تقترن هذه الغيبوبة، بمفارقة أخري، يثيرها مانشيت الخبر التالي بذات الصفحة الخامسة عشرة، فالمانشيت الآخر يقول: »نجاد يختتم زيارته اللبنانية بزيارة« بنت جبيل »قرب الحدود الإسرائيلية. الرئيس الإيراني يشيد بصمود المقاومة.. ويتنبأ بزوال الصهيونية«.
 
الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته، متفائل لمجرد استئناف المفاوضات المباشرة، ورئيس دولة أقرب يشيد بصمود المقاومة.. الرئيس الفلسطيني لا يحول دون تفاؤله ـ الأهطل! ـ أن إسرائيل تخطط لإقامة 13 ألف وحدة استيطانية جديدة بالأراضي المحتلة، ولا ما صرح به مدير إدارة الخرائط والمساحة في بيت الشرق بالقدس المحتلة من أن النشاط الاستيطاني لم يتوقف قط خلال فترة التجميد الإسرائيلي المزعوم للبناء! بينما رئيس دولة أخري يشيد بأن »بنت جبيل« هي قلعة المقاومة وعرين الانتصارات! الرئيس الفلسطيني لا يقرأ الأحداث ولا يري ما يجب عليه أن يراه أن إسرائيل تزداد قوة، وأنها تمد روسيا الآن بطائرات التجسس، وتموه بوقف استيطان لم يتوقف قط، وتخطط لإقامة 13 ألف وحدة استيطانية جديدة بالأراضي المحتلة المفترض إعادتها بالمفاوضات (المباشرة!) الي الفلسطينيين، إن كان لهذه المفاوضات (المباشرة!) غاية يدركها العقلاء. ومع ذلك ورغمه فإن التفاؤل يتغشاه، وتباركه عناوين صحيفة قومية، بنجاح الجهود الأمريكية لاستئناف المفاوضات (المباشرة!) مع إسرائيل!!
 
إن أشرّ من الكذب علي الآخرين، وخداعهم ـ الكذب علي النفس، ومخادعتها بالاحتيال عليها! قد يتوهم الآدمي أن صدقه مع نفسه قريب المنال لأنه مفترض، ما دام لا يوجد رجاء في غش النفس وخداعها، وإنما الرجاء ـ إن كان ـ مأمول نفعه في غش وخداع الآخرين!
 
علي أن هذا الصدق مع النفس، الذي يبدو مفترضا قريب المنال، هو أبعد ما يكون عن تناول معظم الناس. مرد ذلك إلي تراكمات كثيرة تتسرب إلي النفوس فتحل وتجذر فيها مقاييس ومعايير مختلة، وتنفض عنها قيم الحق والسداد والصواب.. إن احترام الذات هو المفتاح الرئيسي للصدق مع النفس، ويبدو أن هذا الاحترام قد صار معطوباً أصابته علل وأسقام، ولم يعد إلاَّ كلمة تقال أو مظهرا مفتعلا ليس له مـن الواقع أي نصيب!
 
يبدو أن ما يخايل الآدمي من أنه من المحال ألا يكون صادقا مع نفسه، هو وَهْمٌ وسراب يحسبه الظمآن ماءً.. فحياة الفرد من بدايتها نسيج مرقع ويرقع باستمرار بخيوط من عدم الصدق.. مع المحيط ومع النفس.. ومن يراقب نفسه بإخلاص بلا عناد ولا مكابرة ـ سيري ذلك شاخصا حاضرا فيما يأتيه أو يتركه أو يقوله أو يكف عنه.. ومن يراقب أحوال الناس، سيري أن هذه الآفة تتسع مع اتساع الأطماع في المكانة والريادة والرئاسة، لأن ضريبة هذه المواقع تستأدي حصيلتها من الصدق الواجب مع النفس.. وتنحر منه نحراً متواصلاً، لأن حساب الربح والخسارة لا يمشي بالتوازي مع الصدق مع النفس ومع الآخرين، بل يناقضه حتي صرنا نفرح بما يحزن، ونتفاءل بما يكئب.. إن كل الشواهد والأدلة التي نراها ويتفاءل بها السيد عباس ومن يجري مجراه، تنبئ بأن إسرائيل ماضية إلي غايتها من استيلاء علي كامل فلسطين، وتركيع للعرب. لجميع العرب!!
 

شارك الخبر مع أصدقائك