رجائى عطية

غربة الغريب‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية 

أن يشعر الإنسان بالغربة وهو خارج وطنه أو بعيد عن بلده وأهله وأصدقائه ـ فذلك إحساس طبيعي
 
 لا غرابة فيه، يترجم عن الشعور بالغربة في محيط غريب غير المحيط المعتاد الذي يعيش فيه.. ولكن ما يستدعي الالتفات، ويستأهل التفسير: الشعور بالغربة الذي يمكن أن ينتاب الشخص بداخل محيطه وعلي أرض وطنه وبين أهله وذويه وأصدقائه وزملائه ومعارفه.. ووجه الغرابة أن المكان وشاغليه المحيطين به،  مألوفون له، يعيش بينهم ويتعامل معهم ويرتبط بهم بقرابات أو صلات أو علاقات.. فكيف يشعر بالغربة وسط من يلاقيهم اليوم كما لقيهم بالأمس القريب والبعيد.. ما الذي طرأ أو استجد حتي يشعر بالغربة وسط المحيط القريب الذي عاش ويعيش فيه؟!

 
لست أقصد بغربة القريب في محيطه، ما قد يستشعره الشخص حين يفارقه الشباب وتقتحمه الشيخوخة فينكرها ويستغربها ويستوحشها ويراوده النزوع أو الحنين إلي ماضي الشباب الذي ولَّي، أو ما يلم بمن يخسر ثروته ويستوحش الفقر بعد الغني، وإنما أقصد إلي غربة القريب وسط محيطه، دون أن يفقد هو شخصيا ما يوحشه أو يدفعه إلي الإحساس بالغربة!
 
تري هذا المعني الذي أوميء إليه، في كلمات الفيلسوف الأديب أبو حيان التوحيدي.. كان يقول :
 
»أغرب الغرباء من صار
 
غريبا في وطنه..
 
وأبعد البعداء من كان
 
بعيداً في محل قربه..
 
لأن غاية المطلوب
 
 أن يسلو عن الموجود..
 
وأن يغمض عن المشهود..
 
وأن  يقصي عن المعهود!
 
يا هذا الغريب!!
 
الذي إذا ذكر الحق هُجِرَ
 
وإذا دعا إليه  زُجِــرَ!!«
 
هي إذن الغربة التي يحسها قائل الحق المتمسك به.. لأن الناس درجوا ـ حكاماً ومحكومين ـ علي الترحيب بما يرضيهم، والضيق بكل ما يعتقدون أنه ينغص عليهم، ويفتح أبواباً يريدون لها أن تنغلق، ويثير أموراً يبتغون أن تتواري وتندثر.. إيثار السلامة وعشق الذات وإيثارها علي كل ما عداها ـ آفة آدمية، يكاد لا ينجو منها إلاّ القلّة القليلة.. وأغلب الناس علي عشق ذواتهم، وعلي كراهة الحق وإنكاره إذا خالف مصالحهم، وعلي النفور ممن يحرك السواكن ويوقظ ويقرع وينبه إلي العيوب والمثالب!
 
الغربة التي يعنيها التوحيدي، ليست الغربة المادية.. وإنما الغربة النفسية التي يستشعرها القريب حين يحس أنه لم يعد يعيش في دنياه التي التي تتواءم مع عقله وفكره وقيمه ومبادئه.. لا هو راضٍ بما درج عليه معظم الناس، ولا هم يمكن أن يقبلوا أو يرتاحوا لما لا يستطيع السكوت عنه فيفصح عنه ويصدح به!!
 
وقد يشعر بالغربة في محيطه حين تتنامي ملكاته وأفكاره ورؤاه ومناقبه، تناميا لا يجاريه
 
 ولا يلاحقه ولا يقبله خفوت شعلة المباديء والقيم والإخلاص عند الغالب الأعم من الناس! وقد يزداد الفرق إتساعاً فيحرك لدي ضعاف النفوس الغيرة والحسد، ويوغر الصدور،  وتعتل منه القلوب، وتلتهب الأهواء فيشعر القريب أنه غريب في محل قربه بين من ضاقت صدورهم عن الاتساع له، أو قعد قصورهم عن التحليق معه أو اللحاق به!
 
لا تقتصر الغربة علي المحيط الخاص، بل تكون أنكي وأشد علي المستوي العام.. حين يتواضع مُلاّك الأمر علي محاصرة النابهين  وتغليق السبل علي أصحاب الرأي.. حول الدائرة الضيقة الممسكة بمقاليد الأمور، تتجمع دوائر أوسع من الخاملين وطلاب المنافع.. لا سبيل أمامهم في ترخصهم إلاّ محاصرة العقول النابهة المتقدمة والملكات الخاصة،  فتتناقص شيئاً فشيئاً أمام النابهين الدوائر التي يمكن أن يتواءموا معها، وتتقطع الأسباب بينهم وبين المجموع العام الذي يفقد بابتعادهم أو إبعادهم ـ العقل الذي كان يمكن أن يقود ويسدد خطاه!
 
عند ذلك يضمر العقل الجمعي ويتراجع بالضرورة، ما دامت رياداته محاصرة ومعزولة تُقَابل بالصد والنكير، وبالسباب والقذائف واللكمات.. فيؤثر النابهون الالتحاف بغربتهم ويلوذون بالصمت ويعرضون عن المشاركة، وتتجذر الغربة وتتحول مع الأيام إلي إحساس هائل بالانفصال التام عن
 
 المحيط!
 
تخسر المجتمعات خسراناً كبيراً هائلاً، حين تنفصل الصفوة النابهة عن تيار الحياة.. فهذه الصفوة هي عقل الأمة، وهي القاطرة التي تشدها وتحدد وتصوب لطريقها معالم الاستنارة والرؤية الصافية المجدولة بالحكمة والتجرد.. ظني أن ما يجري الآن في بلادنا، قد نحي قامات عالية كانت جديرة بأن تعبر بسفينة الوطن إلي شاطيء السلامة والأمان!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »