عَامُ‮ ‬الردة‮.. ‬وجريمة رأس السنة (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

احمد رضوان :

ما شهدته مصر في 2010 أبطل جهود مجموعة من أبرز المفكرين والكتاب طوال السبعين عاماً الماضية، لأن ما حدث لم يكن مجرد ردة سياسية، بقدر ما كان تخلياً صريحاً عن أفكار إصلاحية من مختلف الأصعدة وليس علي الصعيد السياسي فقط، وكان بمثابة خيبة لآمال كل من حاول بكلمة أو بموقف أن يحرك شعب هذا البلد خطوة للأمام.
 

تحية إلي الأستاذين العظيمين زكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا وغيرهما ممن جعلوا أقلامهم بذورًا للنور في أرض شديدة الملوحة، أخرجت من بعدهم مجرد ناقلين لواقع دامٍ مثير للاشمئزاز والرفض أكثر مما قدموا حلولا عملية، أو تصورات تساعد في انتزاع مستقبل أفضل، فدعموا ـ بقصد أو بدون ـ حالة الاحتقان بين أطياف مختلفة من المجتمع، لكل طيف مصالحه وظروفه وأفكاره، وتياراته المتصارعة أيضا.
 

هذه الردة جعلت من الصعب إن لم يكن من المستحيل إعمال أي فكر تنويري علي امتداد عشر سنوات مقبلة علي الأقل، وهذا ليس هو النتيجة الأسوأ لما شهدته 2010 ، لأن الأسوأ منها ظهر في آراء غريبة بدأت تعمل كمسكنات لأصحابها حتي لا يقعوا في براثن نوبات اليأس والاكتئاب. فهذا يتنازل عن أسلوبه العلمي في التفكير، ويرهن مسألة الإصلاح السياسي برمتها بـ »معجزة« أو »حدث« ينتظره ويحاول إقناع الآخرين بانتظاره معه، قبل حتي أن يوضح ماهية تلك المعجزة التي ستدفعنا دفعاً نحو الإصلاح المنشود، من دون الحاجة لجهد منظم مستديم لسنوات وسنوات، أو أهمية الحدث القدري الذي قد يزيد ـ وفقا لمفردات الواقع ـ الطين بلة.
 

وذلك الذي ألقي بسيل من اللوم علي المستضعفين في الأرض واعتبرهم السبب المباشر للأوضاع المتردية المحيطة بنا من كل جانب، وحملهم أسباب الجهل وتلذذ الخرافة وما نتج عن ذلك من عنصرية وانخفاض عنيف في مستويات المعيشة ورعاية صحية متواضعة إلي آخره من الصور التي غالبا ما تلازم الشعوب الفقيرة غير المهتمة بالتعليم.
 

وثالث رأي المشكلة برمتها في الأديان، لما تبشر به معتنقيها من عالم سعيد خارج الكرة الأرضية، وتدفعهم للنظر إلي هذه الدنيا علي أنها مجرد »ممر« لا يستدعي عناء النضال من أجل إصلاح باهظ التكلفة، دون أن يسعي ـ هذا الثالث ـ إلي التفرقة ما بين الدين من جهه، والفهم السائد له من جهه أخري، أو حتي تمييز التيارات الدينية بين معتدل مستنير مهموم بالحوار والإصلاح، ومتشدد لا يعرف لأفكاره بديلاً.
 
أيهما أكثر صلاحاً.. مراجعة الفهم السائد..أم هلك الحرث والنسل؟ هذا هو السؤال الذي يمكن اعتباره الكاشف والرابط بين ما شهدته 2010 وما قبلها من موجة ارتداد للوراء، وبين تبعاتها طوال السنوات العشر المقبلة التي بدأت بجريمة ليلة رأس السنة كثمرة أولي. لأن الاكتفاء بسرد الخسائر أو برصد الأسباب ليس مهماً إذا لم يأت بتشخيص دقيق للحالة، وعلاج عملي وإن لم يكن جذرياً، لأن جريمة كنيسة القديسين التي راح ضحيتها نحو 21 قتيلاً، وثمانين جريحاً، خير دليل علي أن ثمار الإفساد السياسي بدأت في الظهور.. ويجب استباق نضجها بشيء من النور، بعيداً عن الحلول الأمنية وقانون طوارئ وجلسات المودة التي يتصافح فيها من هم أكثر سخرية منا عليها، وللحديث بقية.
 

شارك الخبر مع أصدقائك