توفيق اكليمندوس

عن الحوار مع الأنظمة المؤدلجة

شارك الخبر مع أصدقائك

لن نخوض فى الجدل حول مفهوم وطبيعة ومسار الأنظمة المؤدلجة التى تتبنى أيديولوجية وتسيدها على نفسها وعلى المجتمع، ولكننا سنعتمد على كتاب فرنسى عن الاتحاد السوفييتي، نشر سنة 1976 عنوانه «مدخل مختصر إلى السوفيتولوجيا لتستخدمه السلطات المدنية والعسكرية والدينية».

الكاتب هو أحد مفكرى فرنسا الكبار، اعتنق الشيوعية فترة وجيزة ثم تركها وكرهها وحاربها، وكره وحارب روسيا، وعاد إلى الكاثوليكية وله كتب أخرى أهمها « الأصول والجذور الفكرية لللينينية»، ويمكن القول أن نظرته للعالم متشائمة، وأنه يناقش ما لا يحبه من ديانات ومذاهب وتيارات فكرية بشراسة لا تخلو من ذكاء لامع، والكراهية عنده ولادة، ففكره عميق وملهم، وأخطاؤه كثيرة أيضا.

أسوق مثالا للتوضيح. رأى صاحبنا منذ النصف الأول من سبعينيات القرن الماضى أن الاتحاد السوفييتى كيان غير قابل للإصلاح، هو هرم مكون من أوراق كوتشينة، إن حاولت نزع ورقة سينهار الهرم كله، وكان من المفروض أن تكون الثمانينيات لحظة مجيدة له حيث أكد الواقع صدق ودقة تحليله، ولكنه أفسد كل شيء، لأنه فيما يبدو افترض أن السلطات السوفيتية قرأت كتابه، واقتنعت به، وبالتالى أصر إلى آخر لحظة على عدم تصديق أحاديث الزعيم جورباتشوف وعلى إنكار جديته فيما يتعلق بالإصلاح، وبدلا أن تكون ساعة انهيار المعسكر الشرقى لحظة تتوج مشواره الفكرى، كانت ساعة بدا فيها منكرا متجاهلا للواقع.

حديثه عن الاتحاد السوفيتي، وأترك للقارئ مهمة تحديد إمكانية تطبيق كلامه على نماذج أخري. يرى الكاتب أن المنطق الداخلى للتنظيم الشيوعى وللنظام السوفييتى يحتم تسلسل مرحلتين ومنهجين بالتناوب، مرحلة ومنهج يسميهما «شيوعية الحرب» وهى مرحلة تطبق فيها الأيديولوجيا تطبيقا صارما وينغلق النظام والحزب ويحاربان مجتمعهما والبشرية بشراسة، تليها مرحلة ومنهج «السياسة الجديدة» والانفتاح على الغير مع تحرير نسبى للمجتمع، وهى مرحلة التقاط الأنفاس ضرورية ليتفادى النظام والحزب التدمير الذاتى من جراء الغباء والتعصب والتوحش، ثم يعود إلى منهج شيوعية الحرب وهكذا دواليك.

هناك فروق بين كل مرحلة وغيرها، فسيادة منطق الحرب لا يعنى أن الحرب تتخذ حتما نفس الشكل وتتبنى نفس الأولويات، وكل مرحلة انفتاح تختلف عن غيرها، ما لا يتغير هو استمرار تقديس الحزب للأيدلوجيا وفرضها كمرجعية وقاموس ومصدر شرعية. ننبه إلى الفارق بين الإيمان والتقديس، النظام أسسه متعصبون مؤمنون، ثم تشكل خطاباً عقائدياً يرسم حدود ما يمكن قوله وما يتحتم رفضه، على الأقل جهارا نهارا. وعدم الإيمان به لا يهم، طالما لم يتم الإفصاح عنه، والخوف من ارتكاب خطأ يظهر الكفر يشل التفكير ويمنعه. وهناك طبعا متعصبون ينجحون عامة فى الإمساك بزمام الأمور.

ويقول الكاتب إن النظام أو الحزب له دائما سياستان خارجتان، بل نظامان/إطاران للسياسة الخارجية، النظام «أ» هو تجسيد للأيديولوجيا ولمعتقدات الحزب الحقيقية والتى لا تمت للواقع بصلة، والنظام «ب» يعترف إلى حد ما بالواقع، يمارس التقية ويكذب ويتظاهر بقبول الواقع وبالبراغماتية، ويرى الكاتب أن المفارقة هى أنه لا يمكن التحاور مع النظام/الحزب إلا فى إطار النظام «ب»، لأنه النظام الذى يتعامل مع الواقع، وإن كان يتعامل معه بالكذب والمراوغة، وباختصار نصيحة الكاتب هى رفض الحوار مع سياسة ونظام ومنطق «أ» لأن الحوار غير ممكن دون اعتناق الفكر المجنون، والتعامل مع سياسة ونظام ومنطق «ب»… مع عدم نسيان أن محاورك كاذب لا يصدق ما يقوله،

على سبيل المثال يتعامل النظام أ مع الدول والأمم على أنها كيان زائل حتما لا أهمية له ولا وظيفة سوى عرقلة تحقيق المشروع وتعطيله، بينما يتظاهر النظام ب باحترامها

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »