شريف عطية

عناصر أزمة قيادة المنظومة العربية

شارك الخبر مع أصدقائك

تبدو مصر بدبلوماسية سياساتها الرصينة، لا تخلو من الحزم الودود، الأبعد نظراً من دول الإقليم.. فى موضعية مواقفها العقلانية بشأن الأزمات المشتعلة فى داخله، سواء بالنسبة لما كان يعرف بإشكاليات «المسألة الشرقية» أو لكل ما يتصل بعلاقاتها مع القوى المختلفة فى العالم، ذلك حين حافظت وحتى فى أكثر عهودها معاناة- على الحرفية الأخلاقية لكل من سلوكياتها الدبلوماسية أو العسكرية على الدوام، إذ لم تعادِ سوريا رغم افتراق الطرق بينهما، ولم تتاجر- كآخرين- بالقضية الفلسطينية، إذ أبقت على جهدها السياسى إلى جانب حقوقها المشروعة، كما حافظت على علاقاتها المتوازنة مع كل من واشنطن وموسكو، باستثناء مقتضى تعقيدات الحرب والسلام فى الربع الأخير من القرن الماضى، كما أنها رغم خلافها السياسى والمذهبى مع إيران إلا أنها لم تنسَق مع دعوات إقليمية- دولية للحرب ضدها، وما إلى ذلك من غيض عن فيض استحقت به تقدير العالم.

ذلك فيما تركيا القابعة عند الثقب الأسود شمال شرق المتوسط، تصعّد التوتر باطراد سواء فى سوريا أو حول قبرص (ناهيك عن الحالة الليبية).. غير عابئة- كالحاصل- بتحذيرات أوروبية ولا بالحماية الأميركية للغاز المصرى، ذلك فى الوقت الذى قارب وجودها فى أدلب- سوريا- على الانتهاء بفعل ثقل الوزن الروسى، بينما تنسحب القوات الأميركية قريباً من المناطق الكردية ولتعود لنظام «الأسد» السيطرة على كامل سوريا، ما يخصم من رصيد تركيا.. التى تبدو السلطة فيها على وشك أن يتسلمها الجيش مثلما حصل فى مصر وتونس من قبل، وفى السودان حاليًا كما قد يحصل فى تركيا لاحقًا وفى ليبيا.

أما عن إيران القابعة كذلك عند أطراف المنطقة، فإنها تصعّد من صلفها بالنسبة لملفها النووى والصاروخى، يشجعها فى ذلك جملة أسباب (رغم العقوبات) للتذبذب الأميركى إزاءها، من الانتخابات الرئاسية الوشيكة.. إلى رغبة أميركية فى تحقيق اتفاق استراتيجى مع إيران أهم من الاتفاق النووى «أمن الخليج مقابل ضمان المصالح الأميركية»، من أهمها ألا تسقط إيران فى قبضة الروس والصينيين، ومن ثم ألا يتقدما للسيطرة على الخليج الذى سوف تتسيده حينها إيران، وبموافقة أميركية، مقابل تعهد إيران بعدم إنتاج سلاح نووي.

إضافة إلى ذلك، لا يدخر الإسرائيليون الآتين للمنطقة عبر الشتات ومن وراء البحر- وسعا- لكى تسود «الحقبة اليهودية» مقدرات الإقليم، وفقاً للغايات العليا للمشروع الصهيونى من النيل إلى الفرات، إما فى معية الولايات المتحدة أو من خلال تجديد تحالفاتها التاريخية مع الجارات غير العربيات، إيران وتركيا- إثيوبيا، إذ عجزت عن كسب التنافس فيما بينهم، فلا أقل من بناء السلام- بشروطها- «معا»، وفى إطار مرجح من التنمر الإقليمى بالعرب.. الذين يبدون بغير مصر أشبه باليتامى على مائدة اللئام، إذ إنها رغم المحن لا تزال على ثباتها بين محيطين، وفى ظل حماية حصونها الطبيعية الأربعة، تمارس مرحلة تقوية الذات وإعادة البناء، كما تتحكم من موقعها فى ممرات وشرايين برية وبحرية مهمة، ولها خبرات فيما يتعلق بالملف الدولى لمكافحة الإرهاب، وجيشها الأكثر عراقة وقوة فى العالم العربى، وأن سياستها الخارجية، بحسب أساتذة العلوم السياسية، لا تخضع لأهواء حزبية أو شخصية أو قبلية، ذلك وفق معالم بيئة إقليمية- دولية مغايرة عن سابقتها، سوف ينتج عنها نظام أمنى إقليمى جديد.. أقل ما يوصف به حتى الآن أنه «غير مستقر»، ما يدعو رجال الدولة من السياسيين العرب لأن يهرعوا إلى مصر لتقوية مراكزهم وبلادهم من خلال التنسيق مع القاهرة (السياسى اللبنانى جنبلاط مثالاً)، خاصة مع تراجع دور تركيا فى سوريا ومن داخلها، ومع ثبات النظام السورى للسيطرة على كامل مناطق البلاد، وكمصلحة إقليمية استراتيجية لروسيا التى تروّج لاستمرار بقائه لدى أميركا وإسرائيل، مما يقوى من مركز إيران (وحزب الله اللبناني) خصماً من حساب الخليجيين والسعودية الذين ثبت خطأ اتفاقهم مع الأميركيين لتوجيه ضربة قوية كبيرة لإيران- تنهى دور وكلائها فى لبنان، إلا أن العكس هو ما يحصل، إذ يشتبك السياسيون اللبنانيون كما- يتحالفون- لمصالح اقتصادية وسياسية ضيقة، قد تغنيهم عن مد اليد إلى السعودية، فيما يتلقون بالمقابل ضمانات من «حزب الله»، شخصية وسياسية وإدارية، وفقاً لما ينسب للنائب جنبلاط، خاصة والسعودية لا يشغل أولوياتها قدر الصراع العائلى حول وراثة العرش، وبرضاء عرّابه الأميركى، فيما ترى دولة الإمارات أن النظام السورى أفضل من حكم الإخوان، وتحاول إقناع السعودية بذلك، فيما تركب الأخيرة رأسها- فى ظل الحزم الودود لمصر- لتزيد من اشتعال عناصر أزمة القيادة العربية.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »