رجائى عطية

عماء التداخل فى أعمال القضاء!

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

قيمة الثورات فى أنها تسعى وتقود إلى الأفضل، لا أن ترتد بالقيم إلى الوراء.. وظنى أنه بات مقلقًا أن صرنا نعيش خارج العصر، ما بين الذبح وقطع الرقاب، وحصر الدين فى النقاب، وفى عذاب القبر، ومجافاة النظر إلى قيمه النبيلة التى ترعى الحياة والأحياء، ومن العلل التى أصابتنا خلافًا لموجبات الثورة، أن الجميع قد صاروا قضاة، وفلاسفة، وحكماء، لا يلتزم أحدٌ منا حدوده، فيتناول ما يعرف، ويدع ما لا يعرف .

من هذه الآفات التى احتدمت فى السنوات الأخيرة، إحلال العارف وغير العارف نفسه محل القاضى والقضاء، والحديث فيما يجهل ولا يعرف ولا يدرك، وتخطى ذلك لما يكاد يكون حلولاً محل القضاء فى قراراته، وفى أحكامه !!

أعرف أن القداسة لله تعالى وحده، ولست من المنادين بالنظر إلى القضاء باعتباره قدسًا من الأقداس، فالقضاة بشر، يرد عليهم ما يرد على البشر، واحتمال الخطأ القضائى وارد، لم يتجاهله المشرع، ولم يتجاهله القضاء ذاته، ولهذا كان النظام القضائى على درجات، لكفالة إصلاح ما عساه يقع من أخطاء، وحق الطعن فى أحكام القضاء حقٌّ مقرر لم ينازع فيه أحد، بالمعارضة، وبالاستئناف، وبالنقض، وبالتماس إعادة النظر .

ولم تنظر السلطة القضائية للقضاة على أنهم آلهة لا يخطئون، فكان التفتيش القضائى الذى يتضام مع تدرج القضاء، فى كفالة التقويم إن كان له محل، وكفالة الترشيد والارتفاع بمستوى الأداء .

على أن القيام بهذا الدور الحيوى الذى لم يهمله المشرع، ولم يتجاهله القضاء ذاته، يجرى من خلال «قنوات» لا تهدف إلى تحصين أو إخفاء الخطأ، وإنما تحرص على تداركه بمعزل عن التشويه والإثارة، لتحفظ للقضاء هيبته التى هى من صالح الجميع قبل أن تكون تقليدًا لتغطية خطأ، ومن خلال متابعة وإشراف «القضاة» الأكبر عمرًا والأكثر خبرةً، وهذا ضابط تلزم به ضرورة التخصص وما يستلزمه من أن يتولى النظر والتقييم من دان له- وسط الهيئة- العلم الأكثر والخبرة الأطول والأعرض .

لا يمكن أن نترك تقييم الطب وجراحاته وقضاياه لغير الأطباء، ولا أن نترك القضايا والمعضلات الهندسية لغير المهندسين، ولا تقييم أعمال الخبراء لغير الخبراء، وهذه البديهية تفرض- فضلا عن وجوب احترام هيبة القضاء- أن لا يُتْرك الخوض فى قرارات وأحكام القضاء، إلى هواة لا علم لهم .. يظنون بأحاديثهم وأسمارهم أنهم يحسنون صنعًا، بينما هم يسيئون للعدالة إساءةً بالغة، فهذا الاتجاه اتجاه ضرير، لا منطق له، ويفتقر الحكمة والرشاد جميعًا، ويؤدى ـ عكس ما تتغياه الثورات ـ إلى انفلاتات كفيفة لا تُحمد عقباها.

والذى لا يعرفه كثيرون ممن يخوضون فى أعمال القضاء بغير علم، أن احترام العلم والخبرة فرض- وعلى ذلك جرت أحكام محكمة النقض- ألاّ يلتزم المحامى- لعلمه وخبرته- بما يراه أو يستحسنه موكله، فقد يرى المحامى أن طلب الرأفة أجدى للمتهم من «إنكار» عقيم لا ترشح له الأوراق ولا فرصة له، وقد يرى أن دفعًا من الدفوع أليق وأفضل للمتهم من دفع أو دفاع يستحسنه، وأن المناط فى أسلوب الدفاع وتوجهاته وعناصره هو للمحامى وليس لموكله لأنه لا يعرف من مبادئ وقواعد القانون والتطبيقات العملية ـ ما يعرفه المحامى بحكم علمه وممارسته وخبرته.

ومما لا منطق ولا حجة له، تعقيب البعض على تنحى القاضى لاستشعاره حرجًا فى نظر الدعوى، ويتحدث فى هذا التعقيب غير العارفين، والأسوأ أنصاف العارفين، ولا ينتبهون إلى أن استشعار الحرج هو حاصل «مناجاة» بين القاضى وضميره ونفسه، وأن هذه «المناجاة» لمطلق تقديره لا لما يراه سواه، وأنه بحكم التقاليد لا يفصح- وهذه حكمه يعرفها العالمون- عن سبب استشعاره الحرج، وقد يكون وجيها ولازما، ولا محل إذن لانتقاد ما نجهل أسبابه، إلاّ أنه برغم جهل المعقبين بسبب استشعار الحرج، يبيحون لأنفسهم الخوض فى قرار للقاضى هو محصلة حوار داخلى قوامه ضمير القاضى لا سواه، ومن العجيب أن الخائضين فيما لا يحسنونه، يستخدمون تعبيرات لا يفهمون معناها، كالعدالة «الناجزة»، أو «سرعة» الفصل فى القضايا، وفضلا عن عدم معرفتهم بما يتذرعون به، فإنهم لا يفهمون أن هذا كله ليس حجة ولا يمكن أن يكون حجة أو مبررًا لإلزام قاض بنظر دعوى يستشعر حرجًا فى نظرها، فذلك هو دمار وتدمير للعدالة، بغض النظر- وهو لا يغض- عن عدم جواز بل استحالة إلزام القاضى بنظر دعوى يتحرج من نظرها!

أريد أيضًا أن أقول، فى صراحة بغير مواربة، إن الخوض غير العارف وغير المسئول فى شئون العدالة وقرارات وأحكام القضاء، يمثل ضغطًا جهولاً وغير حميد على القضاة، وهم أولاً وأخيرًا بشر، وظنى أن لجوء هيئة المحكمة التى تنظر دعوى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك ومن معه إلى إذاعة أسباب مد أجل النطق بالحكم مشفوعًا بعرض فيديو لحجم ونوعيات أوراق القضية، وهى سابقة غير مسبوقة، وإن كانت لم تخرج عن حدود القانون، إنما هو أثر لا يتمناه أحد ـ لهذه الضغوط غير البصيرة التى تمارس على القضاء، بسبب التداخل والخوض فى قراراته وأحكامه، وليس من مصلحة أحد ممارسة هذه الضغوط الضريرة والضارة على القضاء والقضاة !

وبرغم حرص هيئة المحكمة على هذا التبرير غير المسبوق، فإنها لم تسلم من تعقيب كافة الأطراف فضلا عن الاجتهادات والتحليلات والتفسيرات، التى يغلبها أو لا يغلبها الانحياز لما ترجو أن يكون عليه الحكم، فلم يرض أحد من هؤلاء وأولاء عن مد أجل الحكم، وسوف تشهد الأيام القادمة المزيد ومزيد المزيد من التحليلات والآراء والفلسفات والتعقيبات، سيشارك فيها قليل من العارفين، وكثيرٌ ممن لا علم ولا معرفة لهم !

لا يعرف هموم ومتاعب القاضى إلاّ من يكابدها، والخائضون فى أعمال وقرارات وأحكام القضاء، إنما يضيفون إلى هموم ومعاناة القضاة أثقالاً لا حدود لها، ويمسون بجهالة ما ينبغى أن يتوفر لهم من الصفاء وخلو الذهن، تحقيقًا للعدالة وقيامًا بواجبهم المقدس إزاءها.

أخطر من الخوض والتعقيب الجهول على قرار التنحى لاستشعار الحرج، خوض البعض فى سياسة نظر الدعاوى، وفى الأحكام القضائية.. وهذه ظاهرة خطيرة، بل بالغة الخطر.. فالمتخصصون على علمهم وتخصصهم ، لا يناقشون ولا يجوز أن يناقشوا أحكام وقرارات القضاء على صفحات الصحف أو الفيس بوك أو موجات الأثير أو برامج التوك شو.. فمجال هذه البحوث إمَّا فى ما يقدم من طعون من خلال قنوات الطعن الشرعية، أو فى الكتب والمؤلفات والمجلات العلمية المتخصصة، وهى بحوث لا تجرى بغير علم، ولا تُطرح- إن طُرحت- إلاّ بعبارات لائقة رصينة مقدرة لجلال التعامل مع هذه الأمور !

إن العالم المتخصص ذاته، المالك لأدواته، لا يستبيح أن يتناول حكمًا ـ ومن خلال القنوات الشرعية، إلاَّ بعد أن يدرس الأوراق، ويلم إلمامًا كاملاً بجوانب الموضوع الذى يتناوله بعلمه ومعارفه وخبراته، وإلاَّ فقد «مشروعية» و«عقلانية» و«موضوعية» ما يتصدى لتناوله.

شارك الخبر مع أصدقائك