علي هامش معالم التقريب عقل الآدمي ‮(‬1‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية
 
في رائعته : معالم التقريب بين المذاهب الإسلامية، تحدث أستاذنا الجليل محمد عبدالله محمد ، عن عقل الآدمي، وكيف لا يكف عن معاناة ثلاثة أمور : أولها : أمور يجد العقل ويري أنها تناقضه وتنازعه وتعاديه، فيحكم عليها بالبطلان والفساد، ويقاومها ويحاول القضاء عليها ما استطاع . وثانيها: أمور يري العقل أنه لم يدركها ولم يسيطر عليها بعد، رغم أنها في نظره قابلة للفهم، ويجد أنه مشوق إلي تجربة قدراته فيها وموالاة المحاولة، وثالثها: أمور يفطن العقل إلي وجودها، ويفطن أيضا إلي أنها وراء قدراته، وغير قابلة في نظره للإخضاع، وأنه برغم ذلك مرتبط بها بروابط أساسية يشعر بوجودها ولا يملك التعبير عنها أو عن وجودها، فيفطن إلي أن سبيله مع مثل هذه الأمور ليس الغلبة أو الخدعة أو المهارة في الاستدلال والقياس والاستنتاج، لأنه يحس بأن هذه الأمور أوسع صلة وأكثف أستارا من قدرته التحليلية الاستنباطية، ومن ثم فلا سبيل أمامه معها سوي التحبب والتقرب والمسايرة مع التخلي عن الأنانية والخداع والرغبة في تمييز الذات، أو بعبارة أخري التخلي عما ينطوي تحت كلمتي »الإخلاص والولاء« .
 
 وقد يؤدي ترقي العقل إلي تحرك هذه الأنواع الثلاثة من الأمور ـ بين الدوائر التي قدمناها، وتتغاير أحوال الاقتناع بما هو صحيح أو باطل، وقد تخرج أمور من دائرة ما وراء القدرات لتنتقل إلي المتاح .. وهكذا ..
 
ودائما يسلم العقل بأن مسائل الدين تقع معظم ركائزها في الدائرة المستورة عن البصيرة أو عن الحكمة والإلهام والذوق، ويبرز منها ما نسميه بالمواهب والعبقريات والنعم والمواجيد والكرامات والنفحات.
 
والذين يرفضون الدين باسم العقل، ينسون هذا النوع الثالث من الأمور التي لا يكف العقل عن معاناتها، وينسون أن العقل هو الذي يفطن إلي وجود هذا النوع .. وأمثال هؤلاء يحاولون حصر مسعي العقل في النوعين الأول والثاني دون النوع الثالث . ولعل المتأمل يلاحظ أن هؤلاء، من حيث لا يشعرون، يستبعدون كل ما يمكن للعقل السيطرة عليه وإحرازه ـ من دائرة الواقع والوجود . وهم في ذلك لا يستبعدون مسائل الدين فقط، بل كل الركائز المستورة للبصيرة والحكمة والإلهام والذوق، وكذا كل العبقريات والمواهب .. لأنها كلها آحاد فذة في النوع الإنساني.. مجهولة المصدر، غيبية الأساس بالنسبة لسيطرة العقل الذي لا يحرز إلاّ ما هو قابل للتكرار والإعادة.
 
ومسلك هؤلاء، لا يجعل حياتهم أو حياتنا أكثر وضوحاً، لأنه لا يقلل الأسرار التي لاحصر لها وتكتنف الحياة والكون ومصير الإنسان ومستقبله .. من وجد ومن لم يوجد بعد وسيوجد في المستقبل. وأمثال هؤلاء الذين يرفضون أن يستعملوا من قوي العقل وملكاته ـ ما سوي الذهن، يقتضيهم مسلكهم هذا أن يعيشوا ـ وربما دون أن يتنبهوا ـ حياة فكرية وروحية منكمشة متقلصة في حدود معارفنا المحسوسة، أو المعتقد أنها محسوسة .وهي معارف ضئيلة وقاصرة جداً بالنسبة إلي سعة الحياة والكون!
 
ولو تأمل هؤلاء لعرفوا أن وراء مسلكهم نقص واضح في إيمان العقل بقيمته، مع أنهم يقدمونه أو يعتقدون أنهم يقدمونه .. والعقل حين يفقد إيمانه بقيمته يفقد وقاره، ويفقد مع ذلك فضليتي الإخلاص والصبر. والعقل يفقد إيمانه ووقاره حين يستمرئ النوم والكسل والهروب من المجهود، فتطول غفلته حتي تغرقه في الهزائم، فإذا صحا ـ لفترة ـ هاله أن ما صار حوله هو محض أتربة وخرائب وأنقاض، فيداخله اليأس، وتفارقه الجرأة والشجاعة .
 
ويبدو أننا نعيش، ومن أحقاب طويلة، بهذا العقل اليائس الضيق الكاره، وأنه يسير بانهزامه هذا نحو الصغار والاستصغار والهوان والاستهانة، فأمسي الإخلاص والصبر مشكلة من المشكلات المعقدة في حياتنا الفكرية والروحية .. حتي صار العقل في ضوئه الشاحب ينظر إلي الصبر والإخلاص نظرة لا تخلو من السخرية !!، ويري الإخلاص والصبر من صفات النفس والخلق لا من صفات العقل ولوازمه وتوابعه الضرورية .. بل وصار البعض يتصور إمكان وجود الإخلاص والصبر حيث لا يوجد العقل، أو حيث لا يوجد العقل إلاّ بصورة ضعيفة ناقصة قاصرة . وكثيرا ما يقود هذا التصور الخاطئ إلي اعتياد التحلل من الإخلاص والصبر، وهكذا انقسم العقل علي نفسه، وانفصل خلق معظم الناس عن عقولهم، وأمست أرواحهم غير متصلة لا بعقولهم ولا بأخلاقهم، وصارت السخرية لغة للعقل المنفصل في ابتعاده عن الخلق وعن الروح.
 

شارك الخبر مع أصدقائك