علي هامش معالم التقريب عقل الآدمي‮ (‬2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية 
 
ويبدو أن أخطر أنواع الازدراء والسخرية أثرا علي أرواحنا وسلوكنا ـ هو فيما يبدي أستاذنا الجليل محمد عبد الله محمد ـ ما نمارسه منهما في الخفاء فيما بيننا وبين أنفسنا، وما نتظاهر بإخفائه وكتمانه وحجبه عن الناس، وراء أستار من التكلف والتصنع ليس لها آخر..
 
ولكن هل نستطيع، أو هل من حقنا، أن نزدري في الخفاء، وفيما بيننا وبين أنفسنا ـ عباد الله؟! إن من يدعي لنفسه هذا الحق لن يعرف لقائمة من يزدريهم حداًّ، ومن المحال أن يعطينا الدين هذا الحق.. فهو لو أعطانا إياه ـ أعني الدين ـ لهدم نفسه وقدم معاول هدمه ذاتيا.. ذلك أن ازدراء الناس سرا هو الخطوة الأولي التي تقود حتما إلي كل كبر وتعصب، وإلي كل رياء ونفاق وغش، وإلي كل لدد في الخصومة وكل دسيسة وخيانة..
 
هذا الازدراء لخلق الله ـ هو الخطوة التي تستتبع كل جبروت وظلم وبغي وطغيان، وكل افتئات ونكران وبهتان ولا مبالاة.. وذلك يبعدنا بالحتم ـ دون أن نشعر ـ عن الولاء لله عز وجل، وهذا الابتعاد هو بداية طريق مخوف ينحدر بسالكه كل لحظة إلي المزيد من الابتعاد عن الله، وإلي المزيد من الاقتراب من الهاوية!
 
من المحال أن يوجد الولاء لله عز وجل بمعزل عن الإخلاص والصبر، وذلك مستحيل بدون الاعتراف الكامل الصادق المخلص بعباده، أي الاعتراف بوجودهم وجوداّ حقيقياًّ فعليا مماثلا لوجودنا تماما، وليس محض تفضل أو مِنَّة لا نقر فيها إلاّ بوجود شكلي مبهم لا يقتضينا عملا يترجم عنه، وإنما إقرار صادق غير قابل لا للمن ولا للمحو أو الحذف والتغيير.
 
الإقرار الصادق بوجود عباد الله، لا يستقيم بل يستحيل معه ـ أن نستخف بهم أو نتعالي عليهم أو نجازف بمصائرهم طمعا أو عنادا أو طيشا.. يستحيل مع هذا الإقرار الصادق أن نقدم أو نصبر أو نسكت علي ظلمهم أو إرهاقهم وإعناتهم وشقائهم.. فذلك يوقعنا ـ مهما واريناه! ـ في تناقض يكذب إخلاصنا وصدق ولائنا لله عز وجل.
 
ليس من الولاء لله عز وجل أن نستخف ناهيك بأن نزدري عباده، وأن نعطي أنفسنا الحق ـ من واقع هذا الاستعلاء والاستخفاف ـ في أن نتحكم في مصائرهم وأن نحركهم علي هوانا وأن ننقلهم كيف نشاء ـ من حال إلي حال، ومن جانب إلي جانب كما ننقل البهائم أو الدمي أو الحجارة أو القمامة.
 
قد نستطيع بالتجمل والمصانعة أن نستخفي بما نفعل، ولكن هذا الاستخفاء لا يوجد ولا يستقيم معه الولاء لله عز وجل، ولا يمكن معه أن نكون أوفياء العهد لله أو قريبين منه جل شأنه. فكيف يكون هذا القرب ونحن نمسخ عباد الله ونحولهم ـ في نظرنا! ـ إلي مخلوقات كئيبة نصب عليها المزيد من ازدرائنا لها!
 
هذا المسخ هو نسف وتدمير لباطن الآدمي، ينسفه في نظر نفسه، ذلك أن أثره غائر بعيد الغور من طول التعرض لتأثير الهوان والإذلال والخوف والقسوة، أو لتأثير الإفساد والغش والكذب والزيف والتضليل والجهالة والإهمال والقذارة المادية والمعنوية. من يجبر علي ذلك ويألفه يسكن إليه بحكم الاعتياد وينكمش في داخله وإزاء ما يواجهه، ويصير هذا الشر الذي أصابه ـ يصير بالنسبة له جزءا من نظام الحياة، ينتهي أمره معه ـ شعر أم لم يشعر ـ إلي التشبث به بعناد وغباء، ويصعب عليه من ثم أن يفارقه!!
 
فهل هذه التعاسة ذات نفع أو جدوي لدي من دفعهم الاستعلاء والتكبر إلي ازدراء عباد الله والاستخفاف بهم؟! لو تأملوا لأدركوا أن الناس حين تمسخ وتتحول في نظر نفسها إلي قردة وخنازير أو ما يشبه القردة والخنازير، أو الحجارة والقمامة، فإنه من المحال أن يبقي في داخلهم مكان أي مكان، لولاء حقيقي لأحد، ولا إخلاص حقيقي لشئ، حتي لهؤلاء الذين ظنوا بالتكبر والاستعلاء أنهم امتلكوا مقاديرهم!!!
 
ونحن حين نطوي جوانحنا علي ازدراء الخلق، نطويها ـ فيما يبدي محمد عبد الله محمد ـ علي يأس عميق غائر من مستقبل البشر، وعلي قنوط هائل من إمكان إقامة شئٍ باقٍ ذي معني بقاءً حقيقيا حيا يستمر في حياتنا ومن بعدنا رغم موتنا، ويزداد مع تعاقب الأجيال نماءً واكتمالاً ورسوخاً.
 
من التناقض البين أن نزدري الناس إذا اعتقدنا أن لهم ويجب أن يكون لهم مستقبل أفضل من حاضرهم! فنحن حين نزدريهم نجردهم في أعيننا من القيمة ومن كل مستقبل وكل أمل في الارتقاء، ونصادر ونحكم عليهم وعلي نوعهم بسوء المصير. ومن المؤسف أن هذا الضرب من الازدراء لخلق الله قد تغلغل وساد في عصرنا لدي كل تنظيم يستهدف تحريك الناس واستخدامهم في القضايا العامة!
 
إننا لا نزدري الآخرين إلاّ بسبب مبالغتنا في قيمة أنفسنا، ونتيجة إصرارنا علي أن نكون نحن أداة القياس التي تقاس بها قيمة الآخرين، ولأننا نحصر في أنفسنا دائرة الدين ولا نسلم بوجود محكمة أعلي منا ومن أنفسنا إليها مقاليد وأحكام الناس!
 
لو تأملنا لوجدنا أن دائرة من يتلقون الازدراء تزداد ودائما في ازدياد، وأن دائرة الحائزين للاحترام في تناقص، ومن هنا جاء التباين أو التفاوت الشديد في أحكامنا مع غلبة السطحية والتأثر الشديد بالأهواء والمصالح، وقابليتها لإشعال نيران الانفعال والتعصب، وشيوع التوجس وإساءة الظن وعدم الثقة والتفتت. لا يذكر محمد عبد الله محمد هذا كله في حديثه عن معالم التقريب إعلانا لليأس من استجابة البشر، وإنما ليقول لنا: إنه علي قدر ما يكون الناس من الغباء والغفلة والشر، تكون حاجتهم إلي العلاج والمعونة، وأن الشر والغباء هما الذراعان اللتان ترفعهما البشرية ـ علي غير وعي منها ـ نحو السماء.. تعلن بهما فشلها في معالجة نفسها بنفسها وتستعجل بهما استجابة وتدخل ونجدة الله عز وجل!
 

شارك الخبر مع أصدقائك