رجائى عطية

عرابى الثائر الفارس المفترى عليه ( 9 )

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

كان معسكر الحكومة المشرئب للعرابيين، فى حالة انقسام تعبر عن تفرق أغراضه، فلا كان الخديو مخلصًا لرياض باشا رئيس النظار والوزارة، فيما عدا من يختارهم فيها من صنائعه وأصهاره كداود باشا يكن وزير الحربية البديل للبارودى، ولا كان رياض باشا غافلا من أغراض الخديو.

وفى هذا الجو الملبد، تصور الخديو توفيق بركاكة تفكيره وضعف شخصيته، وسقم رأيه، أنه يستطيع أن يخادع العرابيين، فأرسل إلى عرابى يقول «أنتم ثلاثة جنود وأنا رابعكم».. بيد أن عرابى لم تنطلى عليه حيلته، فهو يرى كما روى فى مذكراته أن صنيعة الخديو: عبد القادر باشا حلمى المحافظ الجديد للعاصمة، يحيط منازل العرابيين بعيونه وجواسيسه، وأنه غير بعيد أن يسعى الخديو لقتلهم غيلة، فلم يكن غائبا عنهم « عرق الخيانة » الذى ظهر فى غدر أبيه الخديو إسماعيل بصفيه وساعده الأيمن وأخيه فى الرضاع إسماعيل باشا المفتش، الذى لم تنقطع الأحاديث المكتومة عن مؤامرة قتله!

كان الخديو إسماعيل قد توجس خيفة مع طلائع وصول اللجنة الفرنسية/ الإنجليزية المكلفة بالتحقيق فى الوضع المالى لمصر، وخشى أن يفضح مسئوليته صديقه الحميم وزير ماليته إسماعيل باشا المفتش، فدبر للتخلص منه، ودعاه ذات يوم لتناول الشاى معه فى قصر الجزيرة (حيث فندق الماريوت الآن)، وهناك أتاه بعض أنجال الخديو لاصطحابه إلى اليخت الراسى على شاطئ النيل قبالة القصر بزعم أن مائدة العشاء معدة هناك، ولكن ما إن نزل إسماعيل باشا المفتش إلى اليخت حتى أدرك أنه وقع فى الفخ.. وهنا تقول الرواية الظاهرة أن الخديو أرسله إلى أعالى النيل حيث تضعضعت صحته ونفسيته ومات هناك، وتقول الرواية المكتومة التى جرت بها الشائعات أنه مات مخنوقا وألقيت جثته فى النيل! وأن هذا القتل قد جرى فى محضر من الأمير ابن الخديو إسماعيل!

ومع توجس العرابيين خيفة من حقيقة ما يضمره الخديو توفيق بن إسماعيل لهم، شاور عرابى وصحبه إسماعيل باشا راغب، وعرضوا عليه الموقف من شتى نواحيه، ولكنهم فوجئوا به يشير عليهم بإرسال بلوك من العسكر لقتل الخديو، مظهرًا استعداده لتولى قيادتهم بعد ذلك

«بما أوتى من الحكمة وأصالة الرأى»، وذكر عرابى هذه الرواية بمذكراته، مبديا استهجانه وصحبه للعمل الفظيع الذى أشار به عليهم إسماعيل باشا راغب، لأنه يتنافى مع مبادئهم على خط مستقيم.

كان مركز العرابيين يتوطد فى البلاد.. وقد اطمأن إليهم الشعب، والتقى تأييد طوائف الأمة مع ولاء الجيش لهم، وبدأت أفكار عرابى تتجه إلى المطالبة بتشكيل مجلس نيابى، مع إسقاط وزارة رياض باشا، ومن الغريب أن يشخصن أحد كبار المؤرخين هذه الآمال الوطنية بأنها كانت سعيا لتوطيد النفوذ، وإحداث انقلاب فى نظام الحكم، مع أنه يسلم بأن الغاية كانت «إحلال حكم الشورى محل الحكم الاستبدادى»، وهى غاية تتناقض مع شخصنة الأمور بطلب النفوذ.. فى تحامل لا تخطئه العين على عرابى والعرابيين!

إن ما أورده عرابى فى مذكراته، ينبئ عن رؤية وصفها بأنه كانت للنظر فى مصالح البلاد، وانتشالها من وهدة الاضمحلال وهاوية التلاشى التى سقطت فيها أو كادت بتفريط الحكومة فى حقوق الأمة، وبيعها كثيرا من الأراضى للأجانب، مع تعيين كثيرين منهم فى إدارات الحكومة ومصالحها بمرتبات باهظة، وسعيها فى رفع الأحجار الطبيعية الموجودة فى بوغاز الإسكندرية، مما كان ينذر كما قال بأوخم العواقب!

وعن هذا وغيره تحدث عرابى مع علماء الأمة والعمد والمشايخ والعربان، وتحدث عما أزمعه وصحبه من إصلاح أحوال البلاد وإنهاء الإجحاف بحقوق الأمة، وإسقاط الوزارة الحاضرة التى لا تريد خيرا بالبلاد، وتشكيل مجلس نواب يُعهد إليه بالوصول إلى الحرية المنشودة، وتحررت بذلك نشرة وزعت على الأمة، وقد ورَدَ موجز واف لها فى الجزء الرابع ص 90 لكتاب «مصر للمصريين» الذى وضعه سليم خليل النقاش، وأشار إليها عرابى فى مذكراته، وإلى وصول عرائض الوفود إليهم من جميع أنحاء القطر تفوضهم فى العمل لما فيه سعادة البلاد وخلاصها من الاستبداد!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »