رجائى عطية

عرابى الثائر الفارس المفترى عليه ( 8 )

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لم أر عظيما ظُلم وافترى عليه، كما رأيت الظلم والافتراء اللذين لحقا بالزعيم الثائر أحمد عرابى، ومن المؤسف أن الظلم لم يقتصر على حسّاده وأعدائه وشانئيه، ولا على الخديو والشركس والإنجليز، فذلك بديهى ومتوقع، وإنما المؤسف أن الظلم أتاه أيضا من بعض النبهاء من معاصريه، ثم أتاه من بعض من تناولوا سيرته وسيرة الثورة العرابية، فانقلبت فى أيديهم الحقائق، وجعلوا يحمّلون الرجل بنتيجة يُسأل عنها عصر بأكمله، ويُسأل عنها شانئوه، وقد كدت أغرق فى الرد على تفاصيل الافتراءات ، لولا أن تنبهت إلى أن ذلك سيؤدى إلى المزيد من الإجحاف بالرجل والافتراء ولو غير المقصود عليه، فقررت أن أُرجئ التصدى لذلك، وأن أمضى فى بيان خطواته وما سعى إليه وأنجز بعضه وعاندته ظروف لا دخل له فيها ولا قدرة على توقّيها فى تحقيق بعضه، وأدت إلى نهاية مؤسفة من المؤكد أن الرجل برىء منها، وسوف أعود لاحقًا إلى بيانها.

● ● ●

تتفق الروايات على أن الخديو توفيق، استغل هيجان خواطر جند الطوبجية ( المدفعية ) بالإسكندرية يوم 25 يوليو 1881، من جراء مقتل أحد الجنود فى حادث سيارة يقودها أوروبى فى الشارع المؤدى إلى سراى رأس التين حيث كان الخديو يقضى أجازته الصيفية، فتعلل بذلك لإيقاع ضربة شديدة بالجنود الذين تجاسروا فى نظره على الذهاب إلى قصره حاملين جثمان القتيل، طالبين معاقبة القاتل الأوروبى، وأمر الخديو بمحاكمتهم أمام مجلس عسكرى، فليس من اللائق بمقامه أن يذهب الجنود إلى قصره بهذا الشكل وكأنه مخفر بوليس، ومع أن الجنود كانوا قد انصرفوا فور صدور الأمر بصرفهم، إلاّ أن الأحكام الصادرة بشأنهم كانت بالغة القسوة، فقد حُكم على الجندى الذى دعا رفاقه إلى حمل جثمان القتيل بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعلى الباقين بالأشغال الشاقة لثلاث سنوات، وبأن يقضوا العقوبة فى ليمان الخرطوم، ثم يكونوا بعد ذلك من أفراد الجيش بالسودان، وقد أقر الخديو هذا الحكم، وسيق الجنود إلى السويس ومنها إلى سواكن ثم إلى الخرطوم.

على أن الخديو لم يقتصر استغلاله لهذه الواقعة على ذلك، بل اتخذها ذريعة للتخلص من محمود سامى باشا البارودى وزير الحربية، فاستدعى الوزارة بالبرق، وعقد جلسة لمجلس النظار بسراى رأس التين، حيث قرر الخديو للنظار أن بقاء البارودى فى وزارة الحربية هو أساس الفوضى، فاضطر الرجل إلى الاستقالة، وعين الخديو صهره داود باشا يكن وزيرًا للحربية، ولم يكتف الخديو بذلك، فأعقبه بأمرٍ آخر بعزل أحمد باشا دره مللى محافظ العاصمة المعروف بمشايعته للحركة الثورية، وبتعيين عبد القادر باشا حلمى مكانه، وكان كارهًا للعرابيين ومكروهًا منهم!

بذلك أفصح الخديو عن عدائه الصريح للعرابيين، وجعل يرتب معسكره لمناهضتهم، الأمر الذى توقع معه العرابيون شرًّا، ومع ذلك كتموا هواجسهم، وذهبوا لتهنئة وزير الحربية الجديد صهر الخديو بديوان الجهادية، وانتهزوا الفرصة وطلبوا منه أن يجعل فاتحة أعماله إصدار قوانين الإصلاحات العسكرية التى وضعتها اللجنة المشكلة لهذه المهمة.

أظهر داود باشا يكن الموافقة على القوانين الإصلاحية، ووعدهم بإصدارها، ولكنه لم يلبث أن أصدر منشورًا أبلغه جميع الآلايات، يحظر على الضباط الاجتماع فى منازلهم أو فى أحياء المدينة، ونبه بعدم ترك مراكز الآلايات ليلاً أو نهارًا، وأنذر الضباط بأنه سيجرى بمعرفة رجال الضبطية اعتقال من عساه يوجد فى أى اجتماع بالمدينة، كما أنذر بأنه سيسجن بسجن القلعة كل من يتكلم مع آخر فى الأمور السياسية. وقرن داود باشا يكن هذه الأوامر بمراقبة تنفيذها بنفسه، وجعل يمر على مراكز الآلايات ليتحقق من ذلك، كما بث عبد القادر باشا حلمى محافظ العاصمة الجديد العيون والجواسيس لمراقبة منازل الحزب العسكرى، وخاصة عرابى وعبد العال حلمى وأحمد بك عبد الغفار، لمنع أى اجتماعات لهم.

كانت هذه نقلة عدائية خطيرة، وغير مألوفة، وغير مشروعة، كشفت ما يضمره الخديو وصهره والحكومة للعرابيين، وتوجس منها الضباط شرًّا، وأفصح عرابى لزملائه عن أن هذه الأوامر مخالفة للقوانين العسكرية، ومهينة للشرف العسكرى، ولذلك فقد قام أمراء الآلايات برد هذه الأوامر إلى مصدرها، تعبيرًا عن رفضها، والواقع أنه لم يعد خافيًا على الحكومة أن ضباط الجيش وجنوده قد صاروا إلى جانب عرابى، وأن دعوته لمساواة المصريين بالشراكسة دعوة عادلة صادفت محلها، فأيدته الأمة وشايعه الوطنيون بالجيش، وهو هو ما دفع الخديو والحكومة للتربص بالحركة ورجالها وحياكة المؤامرات لهم!

يتبع

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »