رجائى عطية

عرابى الثائر الفارس المفترى عليه (7)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

اتفق الرواة، المحبون والمتعاطفون، والأعداء والكارهون والشانئون، على أن حادثة قصر النيل وتوابعها، جلبت لأحمد عرابى شعبية جارفة، وأكسبته شهره سريعة واسعة، وصار اسمه على كل لسان فى ربوع مصر، وأخذت الألسنة تلهج باسمه وتمتدح إقدامه وشجاعته فى مواجهة السراى والشركس، وسرعان ما صارت له مكانة كبيرة فى البلاد، وجعلت منه زعيما قوميا اتجهت إليه الأنظار، وطفق يقصده أصحاب المظالم والحاجات. 

وكان هذا الإقبال والالتفاف السريع حول عرابى، ترجمةً تلقائية صادقة لشعور شعب يتلهف إلى العدل والإنصاف، فلم يكن الناس راضين عن الحكومة وسياستها، ولا كانت المظالم التى شكا منها قادة الجيش غريبة على ما يشكو منه الناس من مظالم الحكام، والافتئات على حقوق الشعب لصالح الترك والشركس، ومحاباة الحكومة للموظفين الأجانب بالمكانة وبالرواتب الكبيرة والمزايا المتعددة، على حساب الوطنيين المهمشين والمغبونين، ولذلك لقى عرابى عطفا وتأييدًا من جميع طبقات الأمة، ومنهم العلماء والأعيان وعمد البلاد ومشايخ العربان.

على أنه يقدر انتشار هذه الشعبية الهائلة لعرابى، بقدر ما أثارت القلق والغضب المكتوم للخديو وحاشيته وأعوانه والمستفيدين من وراء الأوضاع السائدة بالبلاد، ولذلك فإن الحرب ضد عرابى والعرابيين بدأت تحت السطح فى الخفاء، ولم تكن حادثة الباشجاويش الشركسى ويوسف كمال باشا هى الوحيدة، فجعلت الأيام تكشف عن المؤامرات التى تحاك، من ذلك ما عرف بحادثة فرج بك الزينى، وهى متصلة بالحادثة الأولى، وفحواها أن ذلك الأميرالاى وكان بالاستيداع، ويسكن بعزبة بجوار معسكر آلاى طرة، فاستغل زيارة بعض ضباط الصف والعساكر له، فى تحريضهم على الأميرالاى عبد العال بك حلمى، الذى رفع تقريرًا إلى وزارة الحربية يتهمه بتحريض الجنود على العصيان، وحوكم أمام مجلس عسكرى وقُضى بنفيه إلى السودان، وهناك استطاع فيما ينقل عرابى بمذكراته بمعاونة ذات يوسف كمال باشا، أن يعيّن فى خدمة الحكومة السودانية برتبة لواء، وصار له بعد ذلك شأن فى حوادث الثورة المهدية، وقَتَلَهُ الثوار سنة 1885.

وثمة حادثة أخرى، فيما عُرف بحادثة التسعة عشر ضابطا، كانوا من ضباط الآلاى السودانى، وفى مقدمتهم اليوزباشى سليم صائب، وقاموا بتقديم عريضة إلى وزارة الحربية ضد عرابى وعبد العال حلمى، يظهرون فيها استنكارهم لتظاهر الجنود وخروجهم على النظام، ويطلبون نقلهم من الآلاى، مدعين أن عرابى يسعى لتحريضهم على تقديم عريضة للخديو لإسقاط وزارة رياض باشا، وتشكيل مجلس للنواب.

ومن الغريب أن بعض الكتابات لم تلتفت إلى ما فى رواية الضباط السودانيين من هشاشة، ولا إلى أن ما تنسبه إلى عرابى والعرابيين من دعوة لتشكيل مجلس النواب، يتفق ومصالح الأمة، وينبغى من ثم أن يكون محلاًّ للتقدير لا للهجوم. وأغرب من ذلك أن تعزو هذه الكتابات للجنة التحقيق التى شكلت أنها كانت « متشبعة » بروح العرابيين، وكأن التشبع بالآمال الوطنية جريمة تستوجب النقد، أو تصف ما قُدَّمَ ضد هؤلاء الضباط من تقارير من بقية ضباط الآلاى بأنه «حركة» لإحباط حركتهم، وأن تعزو لهذا النظر الحكم الذى صدر بفصلهم من الآلاى والإحالة للاستيداع! 
وأغرب من ذلك، أن تحسب بعض هذه الكتابات على عرابى والعرابيين، تصديهم للضباط المتآمرين، وتصنفهم فى باب « الضباط غير الموالين »، ولا تجد عذرًا ولا مبررًا لهذا التصدى الذى يشكل القعود عنه « غفلة » لا تليق بمن تصدوا لحمل راية الأمة والدفاع عن حقوقها، ولذلك لم تجد هذه الكتابات بأسا من أن تأخذ على عرابى طلب زيادة الجيش العامل إلى 18 ألف مقاتل، وإنشاء حصون جديدة، وتقديم الضباط عرائض بذلك وطلبهم فيها إنشاء مجلس نيابى تكون الوزارة مسئولة أمامه مع تخويله حق تقرير الميزانية.

وقد استوقفنى تعليق مؤرخ كبير على أحد طلبات عرابى، بأنه هو وشيعته أى عرابى بالغوا فى الاستهانة بكل أمر تصدره الحكومة ؟، وأن هذا جهل وخطأ فى التقدير، وأن من هذا الخطأ اعتراض عرابى على استخدام جنود الآلايات فى أعمال حفر الرياح التوفيقى، وأنه رأى فى ذلك دسيسة يراد منها تسليم سلاح الجند وإيداعه مخازن الحربية! 

ولم تستطع هذه الكتابات أن تتعمق الأحداث، ولا أن تنظر فى أسباب موجبات الثورة التى عددتها هى ذاتها فى موضع سابق من السياق، وبدا وكأن الدنيا قد ضاقت أمام الحكومة حتى لم تجد عمالاً للحفر إلاَّ جنود الجيش، وبدا وكأن الكتابات فى تحاملها على عرابى لم تتفطن إلى «المغزى» ولا إلى أن الحكومة أمامها متسع لو استقامت المقاصد لتشغيل العمال (العاطلين) فى أعمال الحفر، فتضرب عصفورين بحجر واحد، ودون أن تستخدم الجند فى أعمال الحفر وتدعوهم إلى إلقاء السلاح، وهى دعوة غريبة على أى وقت، وكانت أكثر غرابة فى أعقاب الحركة العرابية التى لاتخطئ العين المتفطنة أن السماء قد تلبدت بكثير من الغيوم للالتفاف عليها وضربها! 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »