رجائى عطية

عبقرية الإمام 16

شارك الخبر مع أصدقائك

الخوارج

للأسف حملت الأيام للإمام علىّ ما هو أسوأ، فقد استشرى الخلاف واحتدم بعد مهزلة الحكمين، وزادت فتنة الخوارج المنكرين للتحكيم، وحدث ذلك كله فى صفوف علىّ، وبرئت منه صفوف معاوية الذى لجأ هو وعمرو إلى حيلة التحكيم!

اجتمع الخوارج وأبرموا فيما بينهم ما ارتأوه: «.. إن هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله، وقد كفر إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال فى دينهم ونحن على الشخوص من بين أظهرهم، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق».

وخرجوا وعلىّ يأبى قتالهم حتى ييأس من توبتهم، ولقيهم بالجيش، فآثر أن يلقاهم مناقشًا قبل أن يلقاهم مقاتلاً، واقترح عليهم أن يخرجوا إليه رجلاً منهم يرضونه، يسأله ويجيبه ويتوب إن لزمته الحجة ويتوبوا إن لزمتهم. فأخرجوا إليه إمامهم عبد الله بن الكواء.

قال على: «ما الذى نقمتم على بعد رضاكم بولايتى وجهادكم معى وطاعتكم لى، فهلا برئتم منى يوم الجمل؟»..
قال ابن الكواء: «لم يكن هناك تحكيم»
قال على: «يا ابن الكواء ويحك.. أنا أهدى أم رسول الله عليه الصلاة والسلام؟».

قال ابن الكواء: «بل رسول الله عليه الصلاة والسلام».
قال على: «فما سمعت قول الله عز وجل: فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ » (آل عمران 61 ).. «أكان الله يشكّ إنهم هم الكاذبون.. »
قال: «إن ذلك احتجاج عليهم، وأنت شككت فى نفسك حين رضيت بالحكمين، فنحن أحرى أن نشك فيك».

قال: «وإن الله تعالى يقول: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».

قال ابن الكواء : « ذلك أيضًا احتجاج منه عليهم ». ثم قال بعد كلام طويل من قبيل كلامه هذا : « إنك صادق فى جميع قولك غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين ».

قال على: «ويحك يا ابن الكواء.. إنى إنما حكمت أبا موسى وحكم معاوية عمرا»..
قال ابن الكواء: «فإن أبا موسى كان كافرًا».
قال على: «متى كفر؟.. أحين بعثته أم حين حكم ؟».

قال ابن الكواء: «بل حين حكم».

قال على: «أفلا ترى أنى بعثته مسلمًا فكفر فى قولك بعد أن بعثته.. أرأيت لو أن رسول الله عليه الصلاة والسلام بعث رجلاً من المسلمين إلى ناس من الكافرين ليدعوهم إلى الله فدعاهم إلى غيره، هل كان على رسول الله من ذلك شىء ؟».

قال : «لا».

قال: «ويحك.. فما كان علىَّ أن أضل أبو موسى ؟
أفيحل لكم بضلالة أبى موسى أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا بها الناس؟».

هنالك أدرك الخوارج أن صاحبهم ليس ندًّا لعلىٍّ، فكفوه عن الكلام، وكان الأولى بهم أن يروا ما فى منطق علىّ من صدقٍ وحجة، إلاَّ أنهم قهرتهم لجاجة العناد، واستمروا فى عنادهم وشقاقهم، وأمعنوا فى جنوحهم فأصروا على تكفير علىّ وأصحابه، وأن يعاملوهم فى الحرب والسلم معاملة كفار !

ومع ذلك فإن عليًّا آثر استبقاء بقية للسلم والمراجعة، ورفع فى الساحة رايةً ضم إليها ألفى رجل ونادى: «من التجأ إلى هذه الراية فهو آمن».

وطفق الإمام يأمر أصحابه، ويقول لهم: «لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم ».. فصاح الخوارج صيحتهم: «لا حكم إلا الله وإن كره المشركون» وهجموا هجمة رجل واحد.. وتلقاهم علىّ وأصحابه لقاء من نفد صبره ووغر صدره. فما هى إلاَّ ساعة حتى قتل معظم الخوارج، وبقى منهم نحو أربعمائة أصيبوا بجراح وعجزوا عن القتال، فأمر بهم علىٌّ فحملوا إلى عشائرهم لينظروا من فيه رمق فيدركوه بعلاج.

* * *

وأراد المسير إلى الشام ليلقى بها جيش معاوية..
فتصدى له الأشعث بن قيس مرة أخرى، كما تصدى له فى كل فرصة سانحة للغلبة، وانبرى يقول له علىّ مسمع من الناس: «يا أمير المؤمنين.. نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنَّة رماحنا، فارجع بنا إلى مقرنا لنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد فى عدتنا عدة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدونا».

وجعل الجند يتسللون من معسكرهم، ولاذ من لاذ بالمدن القريبة، وأيقن على أن القوم مارقون من يده، ولا طاعة له عليهم إذا دعاهم بعدها لقتال..
وكان ذلك كله فى صالح معاوية، فقد استقامت له الظروف التى عاندت الإمام، وأعانه على غرضه طلاب المنافع عامدين، وأعانه الخوارج غير عامدين، فقد حارب الخوارج عليًّا ولم يحاربوا معاوية، وطلبوا التوبة من علىًّ صاحب السيرة العطرة الذى كرم الله وجهه، ولم يطلبوها من معاوية الذى شق عَصَا الطاعة، وفرق الأمة، ولجأ إلى الخديعة، واستحيا سننًا جاء الإسلام للقضاء عليها!

ولم تنته هذه المأساة بالمهادنة التى قبلت حقنًا للدماء، ليختص الإمام بالعراق، وتكون الشام لمعاوية!
وإنما بقيت فى كنانة الأقدار، ما اجتمع عليه الخوارج الثلاثة وتباينت نتائجه فى ليلة السابع عشر من رمضان!

رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »