رجائى عطية

عبدالرحمن الشرقاوي وأرشيف الذكريات

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

تحت عنوان أزمة الكلمة بين الولادة العسرة ومخاطر التشويه، كتبت رسالة إلي الصديق الكبير الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي الذي تحل هذه الأيام ذكري رحيله عن عالمنا من (22عاماً)..كانت الرسالة محاولة لتسرية  ما أحاطه من ضيق وأحزان لما لحق بحديثه إلي التليفزيون في عيد الشرطة  ـ من مونتاج وتقديم وتأخير غير معاني العبارات، وأجراها علي غير مقصودها، فكلفني رحمه الله أن أتخذ الإجراءات القضائية اللازمة، وقد فعلت.. ومع بدايتها كتبت له هذه الرسالة التي نشرها بصفحته الأدبية  »خواطر حرة« ـ في أهرام 11/2/1987.. جرت كلماتها تقول:

الأخ الصديق الأعز.. تعلم كم كان تعاطفي العميق معك، حين أتتني كلماتك المرورة الحزينة تشكو ما فعله  »المونتاج« اللعين بحديثك الذي سُجّل. ثم بُث بالتليفزيون، بمناسبة عيد الشرطة.. وتعلم أن غضبي لم يقِل عن غضبك لما جري لكلماتك تلك من حذف واقتطاع واجتزاء أخل بمعانيها، وشوّه مبانيها، وقلب بعضها إلي عكس مضمونها تماماً، فبدا مجملها علي عكس ما قصدته بها.. وتلك مصيبة كبيرة لا يستشعر حجم وقعها إلاّ من اتخذ الرأي رسالة، والكلمة أمانة.. بيد أن من واجبنا، ومن واجب الآخرين، أن يدركوا مدي الخسارة الشخصية التي تلحق بمثلك من تحريف كلامك.. وهي فادحة !!

هذا الاجتراء أخف كثيرا من الخسارة العامة التي باتت تلحق بالمجموع من جراء أزمة الكلمة في زماننا ومعاناتها الممضة بين ظروف الولادة العسرة وبين مخاطر ملاحقتها بالحجب أو التشويه.. فلم يعد يكفي أصحاب الأهازيج والطبول ما يفعلونه، ولم يعد يرضيهم الكلمة المتجردة  لغيرهم حتي وإن أنصفهم بعضها، طالما أن توجهها كله لم ينصرف إلي المدائح التبريكات.. وتلك يا أخي الكبير، نكبة النكبات.. أن تحتار الكلمات الصادقة بين الخنق الذي لا يريد لها ميلاداً وبين قلم المراجع أو مقص المونتاج أو الرقيب الذي لا يدعها وحالها الذي عليه خرجت، فلا يقبل حتي بوأدها ولا بمواراتها، ولم يعد يرضيه ـ قلما أو مقصاً ـ إلاّ أن يستبيح العبارة ـ  يقدمها للمتلقين علي عكس مقصد قائلها أو مبدعها.. هي إذن ليست فقط أزمة عبد الرحمن الشرقاوي، وإنما هي أزمة الكلمة المخنوقة والرأي المغيب والأمانة الضائعة أو المضيعة.. لذلك فلا ينبغي لنا مهما كانت مرارتنا الشخصية أن نأخذ الأمر من زاوية ذواتنا وكفي،  وإنما هو من زاويته العامة أولي بعنايتنا، وأحق بجهودنا، بل وبنضالنا إن لزم الأمر.. إنني لأشعر بالتضاؤل حقاً، حين أري قلم شيخنا مصطفي مرعي، يسترد كل شبابه وحيويته، رغم العقد التاسع الذي كان ممن حقه أن يخلد فيه إلي كامل الراحة، فينهض متوثبا ومحذراً ليحمي الرأي وأصحابه والكلمة وروادها والصحافة وحريتها.. فيسطر في عجالة كتابه الرائع »الصحافة بين السلطة والسلطان«.. يذود فيه عن الكلمة الحرة أياً كانت قنواتها ويحذر من المحاولات الملتوية التي تبتغي تقنين خنقها وستره وراء واجهات لفظية لا ينخدع بها إلاّ الغافلون ومن قبلوا لأنفسهم عيش الخدر والانخداع.. لم يستيئس الرجل الكبير، من سبق البرلمان إلي الموافقة من حيث المبدأ علي المذهب الذي يخالف مذهبه، وإنما نهض نهوض الشباب ليبريء ذمته آملاً في أن يصل صوته إلي الذين لا يزالون يؤمنون بأن الرجوع إلي الحق ـ خير من التمادي في الباطل.. يستهل حديثه إليهم وإلينا بأثيرة شاتوبريان : ليس الدستور هو الذي أعطانا الحرية إنما هي حرية الرأي التي أعطتنا الدستور ـ إنها حسنة هذا الزمان ( زمانه ) حسنته الكبري التي لا تقوم بثمن.  إذن..  إن كنت قد لبيت ما طلبتني إليه ورفعت دعواك إلي القضاء، حيث يتوالي انضمام الأحرار..أتلقاهم بكل الحب والترحاب ـ إلاّ أن وجهتنا الأصلية إنما يجب أن تكون إلي هناك.. إلي رحم الكلمات حيث تتلقفها الأصابع الخانقة أو تشوّهها الأيادي العابثة.. وهي لن تبرأ  أو تنجو منهم قط،  ما لم نعد تنظيم البيت.. ما لم يتوافر المناخ الذي يحمي الكلمة المكتوبة أو المرئية أو المسموعة من كل أساليب وحيل ومظاهر القمع أو التسييس أو التشويه…. مشكلتنا ومشكلتها الرئيسية، إنما تكمن هنا.. في النظام الذي جعل الكلمة ملكاً ـ بالخنق أو بالحجب أو بالمسخ ـ لأصحاب المراكز المهيمنة علي أقدار الصفحات علي مختلف أشكالها.. مشكلتنا الحقة، ألاّ ننخدع بالواجهات اللفظية المخاتلة، كصاحبة الجلالة أو السلطة الرابعة. أن يتحرر »الإعلام« من قيود السلطة. أن ينسلخ التليفزيون والإذاعة من سيطرة الدولة.. أن نعيد النظر في »رسمية« إعلامنا تحت مسميات لا أحسب أحد يختلف حول ما فيها من تزيين.. وتزييف.. أن تتحرر صحافتنا من القانون الذي يخنقنا تحت ستار »السلطة الرابعة«.. فماذا يمكن أن تفرز سيطرة الحكومة وبيدها الاختيار والحجب إلاّ قيوداً تتراكم من وراء الأستار والأقنعة لتنتهي بالكلمات التي ما آلت إليه من إجهاض حتي لم يعد يرضي أصحاب النفوس الضعيفة، إلاّ أن يشركوا الناس جميعا ـ ناهيك بكبار الكتاب ـ في معزوفاتهم التي اعتادوها حتي وإن اقتضي الأمر أن يقتطعوا ويجتزئوا من عباراتهم ما شاءوا ليستقيم لهم المعني المغلوط الذي يريدون !!

لم تعد مهمة صاحب الرأي أن يكابد فقط ليقول ما يريد ، وإنما أن يحميه ويرعاه.. ليصل إلي الناس ما يقول !!

      إن الدعوة الحقيقية إذن، هي تحرير الكلمة من قيودها وإطلاق إسارها من أغلالها.. إن القضية ياسيدي هي قضية الإعلام في مصر.. كيف يكون، ولمن.. للحكومة أم للشعب ؟!

      هذه يا سيدي هي »القضية« !!!

> > >

كانت هذه هي رسالتي، بقي أن أنقل إلي القاريء أن محكمة القاهرة الإبتدائية وأيدتها المحكمة الإستئنافية في الدعوي 1512/87 م.ك جنوب القاهرة. قد قضيتا بعد رحيل الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي بقبول دعواه وبإلزام التليفزيون المصري ووزير الإعلام بصفته بتعويض الأستاذ الشرقاوي بعد ما ثبت تحريف كلامه بالحذف والمونتاج في حديثه بمناسبة أعياد الشرطة !!!

ما أشبه اليوم بالبارحة !!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »