ظاهرة الاستسلام للقبح وامتصاصه وإفرازه! (2 – 2)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:
 
ليس غريبًا، أن تتجمع هذه الظواهر التى حدثتك عنها وتصب فى استساغة القبح وامتصاصه بل واعتياد إعادة إفرازه. لماذا ؟ لأن التراكمات ضربت على مرّ السنين «الطاقة الروحية» فى الآدمى، وخفوت هذه الطاقة، ومعها الإحساس الحى بالانتماء للوطن، لا يخفت أو ينضب أو يموت فى لحظة قصيرة من الزمان! وإنما هو نتاج تراكمات تسللت آثارها تدريجيًا فى تضاعيف النفس، فطمست نورها وآلياتها وقدرتها على التمييز والفرز، وعلى محبة الجمال، والنفور من القبح والدمامة!

خفوت الطاقة التى تميز بين الجمال والقبح، يتبلور فى «بلادة» وارتياح للموجود والتآلف معه، إرتياحًا مصحوبًا بعمى البصر والبصيرة، يحول دون الفطنة المتيقظة المتوثبة، ويؤدى شيئًا فشيئًا كزحف الكثبان الرملية إلى اعتياد القبح وامتصاصه وإفرازه، وغالبًا ما يقترن ذلك للتبرير بالمواراة والمخاتلة والتزيين والمخادعة ليخيل هذا الجنوح على الناس!

حين تصاب بوصلة الأفراد، تصاب بوصلة المجتمع، فتختل فيه المعايير، وتنبهم القيم، ويفقد المجتمع القدرة الذاتية على الاندفاع فى الاتجاه الصحيح طلبًا للجمال والكمال!

قلت سلفًا، ولا بأس من التكرار والإعادة، إنه أبشع من سقوط العاديين فى هاوية الركود الروحى وفقدان هذه الطاقة البصيرة المميزة، سقوط الرواد وأصحاب الدعوات فى وهدتها!

فصاحب الدعوة يتقدم إلى الناس، أو يصانعهم، بباقة من القيم والمبادئ والمعتقدات، ولذلك فالمفترض أن يختلف سلوكه وأداؤه عن بحر العاديين من الناس، فما يخضع أو يتساهل أو ينحرف عنه العاديون، لا ينبغى لصاحب الدعوة أن يخضع أو يتساهل أو ينحرف فيه عن مقتضيات «الباقة» التى يتزين بها ويقدم نفسه إلى المريدين وعامة الناس طمعًا فى أن ينضموا تحت لوائه، ويقفوا تحت رايته. قد يلجأ صناع السياسة إلى الميكافيلية ويستسيغون أن الغاية تبرر الوسيلة، بيد أن ما يجوز فى السياسة وألاعيبها، يجب أن تتنزه عنه الدعوات وأصحاب الدعوات. من يعلو الناس بخطاب الدين والقيم والمبادئ، لا يجوز له أن يلجأ إلى مصانعات وألاعيب السياسة ويتخذ أساليبها مناقضًا ما يزين به نفسه إلى الناس!

من أشد صور القبح الاتشاح ظاهريًا بالدين، وانتهاج أحط أساليب السياسة والانتهازية. السياسة تتقدم إلى الناس بمعيار «المصالح»، بينما تتقدم الدعوات بمعيار «الحق والواجب»، ومن القبح أن يختلط فى الخطاب المصلحة والحق، أو المغنم والواجب.. فشتان بين هذه وتلك، أو بين هذا وذاك. ومن القبح أن يخوض الداعية السالك بهذه الآفات بحور السياسة ويمارسها بأحط مآربها وألاعيبها التى ربما تورع عنها الساسة، بينما يتشح بوشاح الدين والقيم والمبادئ، فهو يلعب سياسة بما عَنَّ له من أساليب، بينما يصادر الآخرين ويتترس ويتعالى عليهم بمتراس الدين، يحاجى السياسى بحجة الدين، بينما هو غارق حتى النخاع فى أحط المآرب والألاعيب!!
 

هذا القبح يضر بالدين وبالسياسة جميعًا، فهو يسيء أيما إساءة إلى الدين، ويزعزع رؤية المتدينين الحقيقيين له، وهو لا ينفع بل يضر السياسة، لأنه يقحم عليها من أساليب المخاتلة والمخادعة وراء ستار الدين، ما يضيف إلى متاعبها ركامًا من الأكاذيب والمخاتلات تصادر باسم الدين على مقتضيات العقل والمنطق وحسن سياسة الأمور!

لم يكن فى نيتى وأنا أبدأ هذه السطور، أن أعرج على السياسة، فهى ليست غايتى هنا، ولكن يقال إن الشىء بالشىء يذكر، وقد فرضت هذه الملاحظة نفسها وأنا أتحدث عن سلبيات القبح وأوزار الاستسلام له، ناهيك باعتياده وامتصاصه ثم إفرازه!

بقى أن أقول لكم، إننا كثيرًا أو عادةً ما نتصور أن نغسل أيدينا من هذه الظاهرة يتعاطى

«فاكسين» إن جاز التعبير ضد القبح، فنصطنع تجميل القصور والمقتنيات، ونبالغ فى تجميل وزخارف الجوامع والكنائس، ونتصور أننا خرجنا بذلك من وهدة القبح وآثاره. وهذا سراب، مثله الهروب من وطأة الشعور بالقبح، إلى الخمور والعقاقير والمخدرات التى تغيب العقل، وتغيب معه «بوصلة الشعور».

ننسى فى كل ذلك أن سلاحنا الحقيقى ضد القبح، يكمن فى جمال أرواحنا، واستقامة ضمائرنا، ونقاء نفوسنا، وعراضة ثقافتنا.. هو فى استعمال «الطاقة الروحية» الكامنة فى حنايانا، وتعميق إحساسنا بالانتماء للوطن، وبقيم الحق والعدل، والجمال والكمال.

شارك الخبر مع أصدقائك