ضجيج بلا طحن

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولى

من يملك إرادة الفعل وقوة التأثير لا تعوزه دقة الرأي وبيان التعبير، لكن المشكلة فيما يدور من لغط وشطط علي صفحات الجرائد حول الخلافة علي مقعد الرئاسة والخلاف علي قضية التوريث، وخصوصاً فيما يطرحه المعارضون و»النخبة«، أن الأقوال والأفكار تطرح تسجيلاً للمواقف بديلاً عن تحريكها. وتسعي وراء ذلك سعياً حثيثاً ماكينة الصحافة التي تنتعش دائماً كلما يعلو الضجيج، خاصة إذا كان ضجيجاً بلا طحن منخفض التكاليف.

زوبعة الفنجان الأخيرة أثارها صحفي لامع له تاريخ ثري منذ أن كان كاتب السلطة المعتمد، فقد كان الأستاذ هيكل شديد القرب من دائرة النفوذ واتخاذ القرار في العهد الناصري وأوائل عهد السادات قبل أن يختلف الرجلان. ورغم أنه لم يعد كذلك، فقد أثار حواره الأخير في جريدة »المصري اليوم« سحابة جديدة من الطنين الصاخب والبريق الكاذب حول مسألة الإصلاح الدستوري والسياسي في البلاد بعد أن وضع الأمر بيد من لا مصلحة له، ولا يريد إصلاحاً من هذا النوع، ولا يشعر بأزمة تضطره إلي الاستجابة لمطالب من يفترض أنه يعارضه.

وحديث الأستاذ هيكل ليس به جديد، وربما أقل قيمة مما طرحه الدكتور حسن نافعة في سلسلة من مقالات الرأي علي نفس الجريدة التي حاورت هيكل، ومن أطروحات الدكتور أسامة الغزالي حرب من حيث كونهما أكثر وضوحا حول ميول السلطة الحاكمة والحاجة إلي مبادرات من خارجها. وحديث المستشار طارق البشري في حواره مع جريدة »الشروق« يوم الخميس الماضي أكثر قيمة من هذا وذاك، فقد أكد الرجل بوضوح أن مواجهة التوريث والصراع علي منصب الرئاسة هدف أكبر من قدرة المعارضة علي تحقيقه وأن الاستبداد لا يتنازل عن موقعه إلا إذا تعرض لضغوط قوية، مرجعاً الأمر إلي »موازين القوي« في المجتمع.

أوضح »البشري« أن المعارضة أخطأت عندما رفعت شعار تعديل الدستور في2005  وهي لا تملك القدرة علي التأثير، وأن شعارها استخدم لتنفيذ ما يكممها وما يجعل البلاد تتراجع دستورياً وتتراجع ديمقراطياً، بإلغاء الرقابة القضائية علي الانتخابات، وتفصيل مادة الترشح للرئاسة علي شخص واحد، وزيادة صلاحيات الرئيس، وتقنين حالة الطوارئ والمحاكم العسكرية مبيناً أن »النظام المستبد المطلق أصبح دستورياً بهذه الحركة التي بدأتها المعارضة«.

طرح »البشري« مجموعة أخري من »المطالب الموضوعية« يري أن المعارضة ينبغي أن تتبناها، هي إنهاء حالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين وإطلاق الحريات وإعادة الإشراف القضائي الكامل علي العملية الانتخابية قائلاً: »ولا يهمنا بعد ذلك من يأتي«. الحوار غني جداً بأفكار يطرحها مؤرخ ومفكر سياسي ثاقب النظر تعلمنا الكثير من كتاباته وتأريخه للحركة الوطنية المصرية، وقد ركز علي ضرورة أن يتحمل الشعب تضحيات متعلقة »بالتحريك والتنظيم« حتي يصبح قوة تعادل قوة السلطة، كما انتقد الإخوان قائلاً إن مساهمتهم في العمل السياسي أقل ما تحتاجه مصر وما يقدرون عليه.

أتفق تماماً مع »البشري« في أن واجب المعارضة أن تسعي لبناء مراكز للقوة في المجتمع وأن تطرح أهدافاً قابلة للتحقيق وألا تتوقع هدايا من السلطة، خاصة إذا كانت هذه الهدايا ضد مصالح السلطة وأهدافها، وأن محاولة إقناعها بتقديم تلك الهدايا ليست تعبيراً عن الإفلاس والعجز فحسب، وإنما هروب من الواجب أيضاً. غير أن ما يؤخذ علي كلام »البشري« هي تلك الثقة الكبيرة التي يوليها »لجهاز إدارة الدولة«، أي الوزارات والهيئات والإدارات المختلفة، التي يحرص علي أن يفرق بينها وبين »جهاز الدولة«، أي الرئاسة والحكومة. وهذه الثقة مردها إلي أن جهاز إدارة الدولة لا يزال موجوداً وبه العديد من الخبرات التي يمكن »أن تتجمع وتؤدي إلي تغيير فعلي في سياسات الحكم والأطقم القائمة«.

تنطوي هذه الفكرة علي تناقض فج في رؤية المستشار »البشري« عندما يراهن علي بيروقراطية الجهاز الإداري للدولة في دفع الأهداف الديمقراطية، خاصة أن أقوي قطاعات هذه البيروقراطية، أي المؤسسة العسكرية والأمنية، لا يمكن أن ترتبط من قريب أو بعيد بمشاريع ديمقراطية. أضف إلي ذلك أن جانباً أساسياً من انتقادات »البشري« للسلطة القائمة يتركز علي سياساتها التي أدت إلي تفكيك جهاز الدولة بحيث »تحولت العلاقة بين الرئيس والمرؤوس إلي علاقة تابع ومتبوع وتحول جهاز إدارة الدولة إلي التبعية«. ألا يعتقد المستشار »البشري« أن تكون سياسات التفكيك قد أدت إلي إضعاف الجهاز الإداري أمام السلطة؟ ولماذا يفترض أن كبار الموظفين في الجهاز البيروقراطي يطمحون لأكثر من الحفاظ علي وظائفهم، وهو طريق توفره لهم السلطة عبر استرضاء الحاكم؟ الجهة الوحيدة القادرة علي الفعل في الجهاز الإداري للدولة هو المؤسسة الأمنية، وهي مؤسسة تدين بامتيازاتها جميعاً للاستبداد والحكم المطلق، ولا يمكن أن نتصور أن لديها الإرادة أو المصلحة في تحقيق الديمقراطية.

يردنا ذلك إلي المشكلة الرئيسية فيما يدور من ضجيج الأقوال علي صفحات الجرائد وتراخي الأفعال علي أرض الواقع. وأخشي أن صخب النخبة في الحديث حول الأهداف الكبري محاولة لتسجيل المواقف بهدف ستر العوار وليس حديثاً جاداً لاكتشاف المسار. لأن وضع الأهداف الخطأ تبرير للتقاعس والفشل، وطلب المستحيل شيمة من أدمن الكسل.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »