حازم شريف

«صندل» وحدة الصحفيين!

شارك الخبر مع أصدقائك

حازم شريف:
 
منعني حيائي أن أرد مجاملة الأستاذ محمد أبوالحديد رئيس مجلس إدارة دار التحرير الذي ذكرني في عموده الأسبوعي بجريدة الجمهورية الأسبوع قبل الماضي ضمن اسمين ساقهما كمجرد نموذجين علي أن الصحفيين الشبان بخير، علي حد تعبيره.

 
وعزائي أن الأستاذ أبو الحديد نفسه أكثر خجلا وتواضعا مني،,ومن ثم قدرت أنه سيتفهم ,عدم إشادتي بإشادته بي سواء كتابة,أو شفاهة عن طريق الاتصال الشخصي المباشر.
 
بل لعلي أعترف أنني -إمعانا في التملص من شبهة المجاملة والمجاملة المضادة- قد فكرت حينها أن أكتب وأنشر رسالة عتاب بدلا من الشكر,إلي الأستاذ أبو الحديد أحمله فيها قدرا يسيرا من المسئولية تجاه حملة التشويه التي يشنها عدد من رؤساء تحرير الصحف القومية ضد الصحف المستقلة،,فيما يشبه عملية تحريض لأجهزة الدولة المختلفة والقيادة السياسية علي غلق تلك الصحف، بدلا من القضاء عليها عن طريق المنافسة المهنية المشروعة.
 
إلا أنني قد أحجمت في اللحظة الأخيرة،,أولا: لأنني شعرت أن الاقدام علي نشر مقال كهذا,يمثل نوعا من المبالغة، وربما قدرا يسيرا من قلة الأصل والأدب،,بعد المجاملة الرقيقة من الزميل الكبير. وثانيا: لأن قلم الأستاذ أبو الحديد لم يعتد علي سباب الزملاء الصحفيين، والزميلات الصحف، بعكس بعض زملائه المسئولين في الصحف القومية من الشباب صغار السن المتهورين.وبالتالي فلا داعي لعتاب من لا ذنب له,وترك من يستحق اللوم والتقريع.
 
ولا أدري علي وجه التحديد: هل استمرار رغبتي المريضة الدفينة في عتاب الأستاذ أبو الحديد هو الذي دفعني للكتابة اليوم ,أم أنها المفارقة الصارخة التي شهدها عدد الجمهورية الأسبوعي يوم الخميس الماضي؟
 
فعلي الصفحة الرابعة كتب أبو الحديد تحت عنوان «وحدة الصحافة والصحفيين» داعيا الصحفيين إلي نبذ الخلافات: نحن كلنا في مركب واحد ,إذا غرق سيغرق بالكل ولن ينجو أحد.وناشد الصحفيين علي ارض مصر:تعالوا إلي كلمة سواء … ووجهوا أقلامكم إلي ماينفعكم وينفع الناس.
 
وانتقد أبو الحديد انشغال الصحافة والصحفيين عن قضايا الوطن وهموم المواطنين، وانصرافهم إلي التراشق فيما بينهم وتبادل الاتهامات,بينما يرمح الفساد بكل أشكاله….إلي آخره.
 
والحقيقة أنني أعجبت أشد الإعجاب بما عبر عنه الأستاذ أبو الحديد ,إلي حد جعلني علي وشك الإمساك بأقرب “هاتف” ,ساعيا للاتصال به للثناء علي ما كتبه وتأييد دعوته الكريمة لنبذ الخلافات…لولا أن “هاتفا” من نوع آخر دعاني لمد طرف البصر إلي الصفحة الخامسة المقابلة «في وش عمود الأستاذ أبو الحديد لزق»حيث يكتب ويمرح دائما رئيس تحريرالجمهورية محمد علي إبراهيم، المعروف بصولاته وجولاته الغذائية، ,لأجده قد أقدم عليه مقالا ساخنا يحمل عنوانا أكثر سخونة: «عشة».. رئيس التحرير«المنفوخ»!!
 
وللتبسيط، يمكن وصف ما خطه الزميل محمد علي إبراهيم في هذه المقالة «المنفوخة», بأنه تجسيد صارخ لنموذج علي النقيض تماما,مما دعا إليه رئيسه الاستاذ أبو الحديد علي بعد عشرات السنتيمترات منه!
 
ولتأذن لي عزيزي القارئ قبل أن أستعير بالنص، بعض عبارات مما كتبه السيد رئيس تحريرالجمهورية، أن أنبهك إلي أنه يحظر قراءة السطورالتالية علي الأطفال والمراهقين الأقل من 18 عاما، وذلك حرصا علي سلامة صحتهم النفسية.
 
 يقول محمد علي ابراهيم في معرض حديثه الراقي عن المنافسين من الزملاء الصحفيين:
 
عندما كانت مهنة البحث عن المتاعب مهنة”شيك”,احترفها علية القوم وكبار الأدباء،,ولكن ارتادها مؤخرا مطاريد الصحف القومية والعشوائيون,فأثروا من حرام ومارسوا الدعارة السياسية والفكرية، وتصوروا انهم بعد أن أفاء الله عليهم وتحولوا إلي الثراء,ستتغيرنظرة الناس لهم ,لكن هيهات -حلوة هيهات دي-أن نحترم لصوصا وشواذ ومبتزين ,وأصحاب صفقات مشبوهة لمجرد انهم قادوا سيارات مرسيدس، ,فلن ننسي منظرهم,وقد دخلوا المهنة بصندل وحيد,ويرتدون بنطلون البيجامة تحت البنطلون لزوم التدفئة في برد الشتاء.
 
 ويستمر ابراهيم ممارسا نوعا من الكتابة تختلط فيه الغيرة المهنية ,بالاضطرابات والعقد النفسية , بعدم القدرة علي الفكاك من التأثر بالسيرة الذاتية:
 
إن الذين يمارسون الآن صحافة السطوح لن يحظوا أبدا بالاحترام ,ومهما امتلكوا من نفوذ وأطلوا علينا يوميا من الفضائيات,ومهما ارتادوا مطاعم فنادق”الفورسيزونز”أو شربوا السيجار تقليدا للكبار,فسيظلون في نظري “بوابين”,سكنوا سطوح عمارة الصحافة….نعم الذين سكنوا سطوح العمارة,فاحت رائحتهم علي سكانها،,وهي رائحة عشش الفراخ وذبل الحمام,الذي كان يربيه الخدم علي أسطح العمارات، كما قال علاء الأسواني في روايته عمارة يعقوبيان.
 
واكتفي بهذا القدر من الاقتباس الحرفي منعا لاصابتك عزيزي القارئ بالغثيان، وعلي من يجد في نفسه القدرة علي التحمل,أن يعود إلي المقال في مصدره الأصلي ,ليستنشق معه نسيم الروائح العطرة!
 
وبالطبع لن أتساءل عن علاقة السيد رئيس تحرير الجمهورية بعلية القوم وكبار الأدباء،,فنحن لم نعرفه برجوازيا ولم نعهده أديبا، وكفاية هيهات دي للتأكد من ذلك، ,كما لن أطرح تساؤلا آخر أعرف إجابته مسبقا عن شعور الأديب علاء الأسواني المعروف بمعارضته للنظام وكتابه, لو قرأ السطور السابقة التي استعان مرتكبها بروايته لقذف وسب بعض الزملاء الصحفيين، كذلك فإنني لن استغل الواقعة,لأطالب الأستاذ أبو الحديد بفرض الالتزام بدعوته الكريمة لوحدة الصف ووقف الشتائم علي مرؤوسه السيد رئيس التحرير…لكنني علي النقيض سأبشره وأنا في شدة الأسف, أنني لا أري أي فرصة سانحة لدعوته كي يكتب لها النجاح علي المدي القريب! لماذا؟لأن ظاهرة الانقسام والتراشق الصحفي التي تحدث عنها تكمن روافدها في ثلاثة منابع رئيسية: أولها حالة الاستقطاب السياسي الحالية بين الحزب الحاكم وقوي المعارضة التي تنعكس بدورها وربما بحدة أكبر علي الصحف، في ظل غياب القنوات السياسية الطبيعية، من أحزاب ومنظمات المجتمع المدني.وثانيها بعض الخلافات والحساسيات والعقد القديمة بحكم التنافس المهني بين عدد من الصحفيين في المواقع المختلفة.وثالثها، وهو الأهم من وجهة نظري،,يتمثل في الأزمة الخانقة التي تعاني منها المؤسسات الصحفية القومية علي المستوي المهني والمالي،,والتي باتت معها في وضع يهدد وجودها ذاته ,مما دفع أغلب القائمين عليها إلي الانتقال من خانة الدفاع عن بقائهم ,إلي تبرير بقائهم هم ومؤسساتهم، ,بأهميتهم الفائقة لمواجهة الصحف الخاصة العميلة المأجورة المبتزة ذات المصروفات السرية!
 
ولعلك تتساءل معي عزيزي القارئ، ويا أستاذي أبو الحديد، أي مؤسسات صحفية هذه التي تهددها وتهدد معها بالمرة أمن الوطن_مجموعة من الصحف الخاصة لايزيد إجمالي  رؤوس أموالها مجتمعة علي الخسائر المتراكمة لأصغر مؤسسة قومية، بل لا تتجاوز حتي الاهلاك السنوي لأي مطبعة صحيفة قومية!
 
أستاذي أبو الحديد، إن التناقض جوهري,والمصالح جد متعارضة إلي حد الصدام المسلح وليس مجرد التراشق،,ففي حين أن الصحف الخاصة لا سبيل لديها للنمو سوي تحريرعناصر صناعة الصحافة من الاحتكارومنع المنافسة غير المشروعة عن طرق تقديم الدعم لصحف خاسرة من جيب دافع الضرائب، ,فإن أغلب القائمين علي الصحف القومية-وأعلم أنك لست واحدا منهم- لايجدون وسيلة لتبرير الأوضاع المزرية القائمة لصحفهم سوي بالقضاء علي المنافسين عبر التشكيك وكيل الاتهامات والبلاغات، وإن كنت لا تصدقني ,فأنصحك- إن كان لديك القدرة-  بإعادة قراءة مقالة «الصندل وذبل الحمام»,لصاحبها ومرؤوسك السيد رئيس تحرير الجمهورية!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »