محمد بكري

صناعة الأمل فى زمن كورونا!

شارك الخبر مع أصدقائك

إذا كان مصطلح «الصناعة» يقصد به الصناعات الاستخراجية والتحويلية وتقديم أى خدمة أو منتج مقابل ربح، بوصفها إجمالى الأنشطة والمشاريع المنتجة فنيا فى أى حقل من الحقول. فهل يجوز أن تكون هناك صناعة الأمل فى شباب مصر بزمن الكورونا؟

قد يبدو السؤال غير منسجم منطقيا أو عمليا، باعتبار أن الأمل شعور أو عاطفة يشعر معها الإنسان بالتفاؤل والإيجابية تجاه ذاته والآخرين. الأمل طاقة محفزة تجعلنا نرجو نتائج إيجابية مهما أحاط بنا من نتائج سلبية، ولو كانت هذه الإيجابية فى حكم المستحيل! ببساطة الأمل يقول إن غدا أفضل من اليوم، والمستقبل سيكون كما نرغبه.

وعلى ذلك ما هى العلاقة بين الصناعة والأمل والشباب فى زمن الكورونا؟

تؤسَس الصناعة من حزمة أساسيات؛ كالموقع، الطاقة، الأيدى العاملة، رأس المال، السوق، النقل والمواصلات، المواد الخام، والخبرة، بتجميع/اجتماع هذه العوامل يمكن القول إننا بصدد صناعة ما.

أما تأسيس الأمل كشعور وعاطفة، فدعائمه الركن الروحاني، الصحي، الشخصي، العائلي، الاجتماعى والمهني، حيث ينهض الأمل بداخلنا عند الثقة بأنفسنا، اعتياد التغيير وخوض المخاطر وخلطهم بالصبر والطموح. الأمل هنا تركيبة أو خلطة أو وصفة إنسانية تمنحنا القدرة على استشراف مستقبل قد نجد لنا فيه مكانا.

أما الشباب، فقد قدمت منظمة الصحة العالمية تصنيفا جديدا فى فبراير 2018 لمراحل عمر الإنسان، وأعلنت أن الأشخاص إلى عمر 65 يُعتبرون فى سن الشباب! ومن هنا يمكن تصور البنية البشرية لمصر فى هذه الفئة العمرية، لنجد أن عدد (الشباب) المصرى هائلا عددا، وجنسا، وتعليما، وخبرة، ومشاكل أيضا. قوة هذا العنصر الخرافى لأى صناعة، جعلت الشباب المصرى مستهدفا، لأنه إن وعى، أفاق، صح، حلم، صبر، كافح.. فستكون مصر شابة بحق بكل مكونات الأمل فى التغيير وطموح المستقبل. ومن هنا تم وضع الشباب فى بؤرة التهميش والهجوم الخفى الذكى من عقود بعيدة، لتجريد مصر من مفهوم قوتها البشرية الحقيقية، وزرع الفرقة بين القوة الضاربة أو فريق العمل من جهة، وبين الدولة بوصفها رئيس الفريق أو مدربه من جهة أخرى!

ومن هنا يمكن فهم إرهاصات “صناعة القنوط”، من خلال تصميم أصيل ومحبوك لتوريط الإدارات والحكومات المتعاقبة، فى مشاكل التعليم والإعلام والثقافة والدين، كإحداثيات بوصلة الشباب فى المكان فى زمن السلم. ولطول انخراط مصر فى حروب ومعارك ووقائع حربية وسياسية محلية وإقليمية، تم استثمار هذه الإحداثيات لتكون أدوات قنوط الشباب المصري، فى خلق الفجوة بينه وبين الدولة! لتتلقفه الصناعة الاستخراجية لجدله ويأسه وإحباطه، وتناوله إلى الصناعة التحويلية لغرائزه وتطرفه وتغييب وعيه، لتكون المحصلة ناجحا باهرا لصناعة القنوط، واختفاءً تدريجيًا (لصناعة الأمل). ساعد فى ذلك دور الإعلام والكوميديا السوداء وفن المهرجانات وحرية منصات السوشيال ميديا والأهم دور الشباب فى ثورة 25 يناير 2011.

على صعيد آخر، وضعت الإدارة المصرية نصب عينيها منذ 2014 خطة صناعة مصر جديدة، تتقدم فيها حثيثا، بخطوات مرصودة، ضغوط من كل جانب، اقتصاد حرج، ظروف دولية أحرج، ومناهضة داخلية من مختلف أطياف (الشباب) لموروثات وتاريخ عدائي، يتجدد دوريا لصناعة القنوط. النتيجة استمرار قاطرة التغيير وسط أنواء الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية، تجر خلفها قوتها الضاربة التى تفت فى عضدها، لغياب مشروع (صناعة الأمل) أو مناقشة (صناعة القنوط) بوعى وموضوعية.

مشهد متداول حاليا طلاب الثانوية العامة ـ بطارية مدافع الجامعات والمعاهد والتعليم الفنى فى زمن الكورونا، وهم يؤدون الامتحانات.. بدون أمل فى الغد؟ مع إعلام وسوشيال ميديا يروجان حقائق سوداء عن سد إثيوبيا وصراعات ليبيا وطموحات تركيا وأوجاع سيناء وحرج الاقتصاد؟! مشهد آخر، شباب متخرج يتوافد على المحلات والشركات بحثا عن عمل، فى زمن توقف شبه تام لمدة 4 شهور بسبب جائحة كورونا!؟

لا يمكن لوم الشباب وحده على تشتته أو ضياعه أو قنوطه أو تهاوى قيمه وأخلاقياته! فلعام 2020 ميراث ثرى جدا من صناعة القنوط، التى طرحت شبابا بعيون سوداء، نحو غد رمادي، وسط كيانات اقتصادية حرجة واقتصاد صغير ووسيط فى طريقه للضمور! ومع ذلك فقوة الشباب مستمرة، هادرة، فوارة.. وبدون (صناعة الأمل)، ستخرج (صناعة القنوط) منتجات شبابية أكثر تطرفا، يأسا، رافضة، مشككة، مغيبة، مدمنة.

كذلك لا يمكن لوم الدولة وحدها على تركها (صّناع القنوط) يرعون فى جسد شبابها وفكره، مقابل انشغالها بعلاج ميراث سياسى واقتصادى ثقيل، وتركيز على بنية تحتية متحدية، وخلق دور قيادى فى المنطقة استهدف تحويطه بقنابل موقوتة، كل ذلك لنعفيها من دورها فى (صناعة الأمل)!

عندما نذكر الدولة، فحتما نفرق بين الإدارة الحكومية وصناع القرار من جهة، وبين كياناتها ومؤسساتها الإدارية وكبار مثقفيها وأساطين موظفيها على المعاش. فى تقديرى أن (صناعة الأمل) للشباب المصرى مقدورة وقابلة للتحقيق، بتصميم رؤية جادة وحقيقية بانورامية لإعلان الحرب ومواجهة (صناعة وصناع القنوط).

كم من المستشارين والخبراء وأستاذة الجامعات والمنظرين، لديهم أفكار ورؤى وأوراق عمل عن (المشروع الثقافى المصرى للقرن الـ 21)؟ كم من رجال دين معتدلين وسمحين، لديهم منظور الاعتدال وقبول الآخر وإصلاح الخطاب الديني؟ كم من كتاب دراما وفنانين وسينمائيين ومبدعين، لديهم أدوية لتطهير الفن الحالى وإعادة تصميم وتقديم الصورة الذهنية لمصر وشعبها فى رسائل تُقوّم المعوجّ؟

كما صمتنا عن صناعة وصناع القنوط، فقد حان الوقت لزمن (صناعة الأمل) بطرحه كمشروع قومى حقيقى يستهدف وضع الخطوط الفاصلة لتعيين الصناعتين، وتأسيس إدارة حقيقية لهذا المشروع الذى سيطلق مجرد الإعلان عنه ومفهومه ورسالته، نهضة وأملا فى شباب مصر حتى سن الـ 65!

فهل آن الأوان لنصنع الأمل، بعدما أدمنّا منتجات القنوط؟

* محامى وكاتب مصرى

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »