شريف عطية

صراع الأبالسة بالوكالة

شارك الخبر مع أصدقائك

بدت منطقة الشرق الأوسط فى مثل هذه الأيام من يونيو 2019، وقبل 45 عاماً من الزيارة الرسمية لأول رئيس أميركى «ريتشارد نيكسون» إلى كل من مصر وسوريا، اللتين سبق لواشنطن أن أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل فى غزو أراضيهما (سيناء- الجولان) فى يونيو 1967، وكأن الولايات المتحدة قد كسبت الحرب التى خاضتها إسرائيل بالوكالة عنها قبل ثمانى سنوات بهدف استعادة نفوذها المنحسر عن المنطقة العربية، التى سرعان أن دانت مجدداً لمقتضيات الاستراتيجية الأميركية فى الإقليم.. بجانب الجارات الرئيسيات غير العربيات، إسرائيل- تركيا- إيران، للسياق الأميركى بعد الحرب الثانية، ذلك فيما تراجع الاتحاد والسوفييت يجر أذيال الخيبة والفشل لما وراء حدوده الجنوبية الحساسة مع الشرق الأوسط، وليقيّض من بعد للسلام الأميركى إحكام قبضته على ناصية الأمور بقضايا الحرب والسلام فى المنطقة منذ منتصف السبعينيات.. إلى قيام الثورة الإيرانية مطلع 1979، لتنقلب السياسة الخارجية الأميركية داخل الإقليم رأساً على عقب، إذ إن إيران لم تكن كما إسرائيل وتركيا «طفيلة حضارية» أقامت دولتها- على غرارهما- بالتبنى، ولذلك كان من الطبيعى للولايات المتحدة آنذاك أن تنصب إيران- دونهما- «شرقى الخليج»، خاصة أن تاريخها المعاصر يمتد إلى القرن 16، وذات هيكل بيروقراطى راسخ يستند إلى ثقافة حكم قوية، سواء فى الجامعات أو دوائر الثقافة والفن التى لها تواجد دولى مشهود، ما يؤهل إيران لإحداث تحول نوعى وجيوبوليتيكى متجدد فى الشرق الأوسط.. بدت ملامحه الأولى فى مواجهة «الإمبريالية»، لما بعد الاستعمارية، وإلى تأييد حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث، وليبدأ الصراع من ذلك التاريخ بين إمبراطورية الشر.. والشيطان الأكبر، وفقاً لوصف كل منهما للآخر، ولنحو أربعة عقود خلت حتى الآن، حارت خلالها الإستراتيجية الأميركية مع إيران فيما بين دعوات تتسم بالغباء نحو خيارات الحرب أو لاستحداث ما يسمى فى التسعينيات بالاحتواء «المزدوج» أو ضبط النفس، ومن تشديد العقوبات إلى التفاوض، وفيما تدق أجراس الحرب راهنا العام 2019، يصرح الرئيس الأميركى بعدم رغبته لأن يغرق الجيش الأميركى فى حرب جديدة مكلفة «لا نهاية لها».. مثلما جرى فى أفغانستان والعراق، إلا أن هذا التراجع الأميركى عن استخدام السلاح ضد إيران لا يحول دون الامتداد الجيوسياسى والاقتصادى لإيران، كلاعب أسياسى على الأرض داخل الإقليم، خصماً من الرصيد العربى ومن مكانة الولايات المتحدة الإقليمية، بسيان، ما يضع صدقيتهما أمام امتحان محورى، خاصة فى ضوء رفض دول الاتحاد الأوروبى الإنجرار إلى صراع عسكرى بين الولايات المتحدة ووكلائها وبين إيران، ربما لخشيتهم من نظام إيرانى أكثر تشدداً من النظام الحالى حال انهياره، وقد يحمل مخاطر مستقبلية للشرق الأوسط، ولجواره الأوروبى، يتعذر التكهن بها (…)، ذلك فى الوقت الذى تتمتع إيران بعلاقات بنيوية مع كل من موسكو وبكين، من الصعب لثلاثتهم الاستغناء عنها، ومن غير استثناء مشاعر القلق التى تنتاب دول التعاون الخليجى جراء مراوحة المقترح الأميركى الذى صاغه الرئيس «أوباما» 2017 «باقتسام النفوذ بين العرب وإيران»، إذ هذا ما انتهت إليه السنوات الثمانى التى قضاها للاقتراب نحو المسألة الإيرانية، من سياسة «الأيدى الممدودة» العام 2009 إلى توقيع الاتفاق النووى مع إيران منتصف 2015، وليس انتهاءً بمطالبة العرب بتنازلات فى سبيل العيش المشترك مع إيران 2017، ذلك قبل أن يسقط «ترامب» أحجار الدومينو مع إيران، بدءًا من المربع صفر مجدداً، وحيث من غير المعلوم إذا كان سيعاود مع إيران سياسة سلفه «الأيدى الممدودة»، أم سيضع المسألة الإيرانية فى «الثلاجة»، ربما إلى حين هبوط حدة السجال (المذهبى) المحورى بين السعودية وإيران، من ورائه أهداف سياسية ستبقى على تناقضاتها ما لم يجر تطويع نفوذ كل من المؤسستين الدينيتين فى البلدين (الحوزة الشيعية- الحركة الوهابية)، وتأثيرهما من ازدواجية تلازم المتشددين فى البلدين بالنسبة للقرار السياسى، إذ عندئذ يمكن توقع بدايات تغييرات مهمة فى الصراع بالوكالة بين الشياطين.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »