رجائى عطية

صداقة السراب!

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

يبدو أنه كان أن لا بد أن تمضى سنون، وأن أشيخ، قبل أن أعرف أن الصداقة أحيانًا كالسراب، وجودها خيال، وعمقها ضحل، والوفاء فيها من البعض محال!

لست أعانق بهذا تشاؤمات التوحيدى فى كتابه عن «الصداقة والصديق» ولا وصفه للدنيا بأنها امتلأت بالذئاب، ولا قوله إن الصداقة للأسف مشوبة من الأزل بالحسد، مكدرة بالحقد مهددة دائمًا بالخيانة. فليست كل الصداقات ولا الأصدقاء سواء، حتى توصف بأنها دائما مهددة بالخيانة.

نعم، تحدث الخيانات، ويصاب الإنسان بالإحباط فى بعض الصداقات، ولكن ظنى أن المشكلة ليست فى الصداقة ذاتها، فهى المحبة والوفاء والصفاء، وإنما فى العجلة فى اعتبار «العلاقة» صداقة، مع أنها قد تكون وقد لا تكون. فليس كل ما يصادفه المرء، وتقذف به المصادفات،

من علاقات وصلات ينطوى فى جوهره على «صداقة»، وإنما قد يكون الظن بوجودها هو

«السراب» .. وهنا قد نقترب من منطق التوحيدى، ونفهم لماذا تتعدد الخيانات، ولكن ليس من الأصدقاء، وإنما من المظنون انخداعًا أنهم أصدقاء!

دائمًا لكل شىء وجهه الآخر، فمن فوائد اكتشاف الخيانة التى تمضى وتوجع، أن ترفع من صفحة وجدانك من ظننته صديقا، وهو ليس بصديق، وأن تنتبه إلى الواقف جنبك، فقد تكون عنايته بطعن ظهرك وهو يتظاهر بأنه معك وإلى جوارك، فمن أبلغ فوائد كشف الخيانة أن كشفها الذى أمضّ وأوجع، قد أتاح لك أن تنحى من حياتك من توسمت فيه إخلاص الصداقة ومحبة الصديق، فاستبان أن ما توسمته غير صحيح، وأن الصدر مطوى على غير ما ظننت، فلك إذن أن تحمد الله الذى عافاك وأبعد عن طريقك من كنت تظنه صديقًا، فإذا به مطوى على الكره والمقت والغيرة والحسد والغدر، يظهر لك غير ما يبطن، ويصانع ولا يخلص، ويرائى ولا يصدق، ويخادع ولا ينصح، ويتحين الفرص لطعنك فى ظهرك دون أن يهتز له رمش!

نعم، الصداقة الحقيقية عزيزة، ونادرة. وهذا ما يمكن الاقتراب فيه من منطق التوحيدى حين قال: «من أطول الناس سفرًا، من سافر فى طلب الصديق!».

وحين نتعمق، نجد أن التشاؤم جاء من الخلط والتخليط بين الصداقة وما يُظن أنه صداقة، وهو ليس بصداقة.. لذلك قيل إن معظم الملوك والحكام لا صداقة ولا صديق لهم، فأمورهم جارية على توابع السلطان من القدرة والغلبة والهوى والمحبب والمبغض والاستحلاء والاستخفاف، وهذه وتلك أبعد ما تكون عن الصداقة. وهذا هو حال «البطانات»، فهى من الخدم والأولياء مهما علت مناصبهم إلاَّ من ندر.. وهى محكومة بالطاعة والصدوع والنفاق والرياء والمصانعة، وهذه خصال لا تنتج صداقة، ولا مجال لها حقيقةً بين الأصدقاء. لذلك لم تصح للملوك والحكام المستبدين أحكام فى الصداقة وآصرتها ومعناها.

أما أصحاب الضياع والإقطاعيات وثروات المليارات فى العصر الحديث، فليس لهم كما صدق التوحيدى عير ولا نفير فى الصداقة، كذلك غلاة التجار المشغولون بالتربح الذى يسد بينهم وبين المروءة، ويحجزهم عن المشاعر الإنسانية التى تولد الصداقة وترعاها. وقد تعز الصداقة بل وكثيرًا للأسف ما تعز، بين الكتاب وأهل العلم، لأن الغيرة والتحاسد والتمارى والخصومات، تذهب بالصداقات وتستبدلها بالمصانعات!

فهل حقيقة ما يقوله التوحيدى من أنه «لا صديق ولا من يشبه الصديق» ؟!

لا أعتقد أن هذا صحيح على إطلاقه!

الصديق موجود، ولكنه عزيز ونادر!

أما أشباه الأصدقاء فهم كُثْر، الذين يتشبهون بالأصدقاء، ولا صداقة لهم!

يقال إن الكريم يخلص الود فى اللقاء وفى الغيبة، وإن اللئيم يصبر على إخفاء ما بنفسه من مقت وكراهية وحسد وبغضاء!

ظنى أن البوصلة تخطئ حين تظن اللئيم كريما، فتتخذه صديقًا فيطعن فى الظهر ويخون، ولكن العيب فى عدم التشخيص وانحراف بوصلة التقييم، وخطأ «التصنيف» لا فى الصداقة.

من لنا بمثل من قال فيه العنابى لأحد أصحابة: «ما أحوجك إلى أخ كريم الأخوّة، كامل المروءة، إذا غبت خلفك، وإذا حضرت أعانك، وإذا بكرت عرفك، وإذا جفوت لاطفك، وإذا سابقت كافأك، وإذا لقى صديق استزاده لك، وإن لقى عدوك كف عنك شرَّه، وإذا رأيته ابتهجت، وإذا ناجيته استرحت ؟».

قد تخطئ البوصلة أحيانًا، ويخطئ التصنيف أحيانا، ويصيب النفس مرارة الغدر والخيانة فى كثير من الأحيان.. ولكن هذا وذاك لا ينبغى أن يسود صفحة النفس، ولا أن يفشى التشاؤم.. فلا تزال الدنيا عامرة بأصدقاء خلصاء، محبتهم صافية، ووفاؤهم نادر وعزيز، فيهم الخير والبركة، والعوض عن الخيانات والخونة، الذين ذهبوا بغدرهم إلى حيث ألقت!

شارك الخبر مع أصدقائك