شيء من الفگر‮ (‬2-2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـائي عطية 
 
اللغة والذاكرة
 
اللغة، والذاكرة.. هما جسر الآدمي من ماضيه السحيق إلي الآن.. مر الآدمي بأطوار بدأت بالإشارات والإيماءات وبعض الأصوات، إلي أن صارت لغة إلتأمت مع الذاكرة في إقامة هذا الجسر الذي يسرب إلي الآدمي في كل وقت ـ قدرً كبر أم صغر، مما إنطبع في صفحة جدوده وأسلافه عبر التاريخ. ولأن مقدرة الآدمي علي التخيل دائما مسترسلة مطيعة لا تأبه بالواقع الماثل ولا تقف عند الحدود والغيوب، فإنها تشعره منذ صغره بالعام والمطلق والدائم، وتجعل هذه المعاني شاخصة بين يديه في روحاته وجيئاته مادام حيا.. تصور له أن في مستطاعه وقبضته من الإمكانيات مالا حد له متي تهيأت له الفرص، أو متي عـرف كيـف يهيؤها.. فلم يخل قلب الآدمي قط ـ في الماضي وفي الحاضر ـ من الأطماع حميدة أو غير حميدة في نظر الغير، وهذا باب آخر في النظر إلي إختلاف وتشابه البشر.. كلنا يعيش علي الأمل، وآمالنا تحمل حتما آثار أختلاف المستويات والطبقات والقدرات المتاحة لكل منا وتتصيد ما نرغب ونفضل ونرجو مما نتشوقه ونتمناه مما ليس بيدنا في حاضرنا!
 
ويبدو من واقعنا أننا سلمنا منذ آلاف الأجيال والأحقاب، ودون أن نشعر، بذلك »التفاوت« بين الناس، وبتلك المستويات والطبقات والإختلافات والفروق في عمومها، وصبغنا بها وعليها وعينا وعقلنا وعواطفنا ولغاتنا ومشاربنا وحاجاتنا المادية والمعنوية، ومفاهيمنا للتقدم والتطور، وما قصدناه ونقصده في الحاضر والمستقبل من معاني التحضر والرقي.
 
الكفاح مبني الحياة
 
ومن المسلمات أن حياة كافة الأحياء علي الأرض.. مبناها مواصلة الكفاح سواء في صورها المرئية أو غير المرئية.. وهو كفاح دائم وملحوظ في الأفراد وفي المجاميع.. يستمر من اللحظة التي تدب فيها الحياة في أي حي، إلي لحظة أن تفارقه.. هذا الفارق الزمني بين البداية والنهاية، أو ما إصطلحنا علي تسميته بالعمر، هو فارق نسبي يختلف بين حي وآخر. قد يكون في غاية القصر، وقد يمتد سنين طويلة بحسابات الآدميين. لاتدهش إذا لاحظت هذا الكفاح في حياة بعض أنواع النبات والحيوان. هذا مرده أن إستمرار الحياة، يحتاج إلي المدد المستمر من الخارج، ويحتـاج إلـي التخلـص المستمـر مـن مخلفات وفضلات الداخل.
 
علي أية حال، فإن كفاح الآدمي، يوجد دائما القلق والرغبة في الأمان والثقة والإحتمال مع الرغبة المترددة بين الأمل واليأس، وبين الرضا والسخط، وبين الإكتفاء والطمع ـ وذلك علي مقـدار ما أعطي كل حي من الشعور بأنه مضطر ومسوق للمحافظة علي حياته خلال أطوارها ومراحلها إلي نهايتها من ظروفه وبيئته وزمانه ومكانه .
 
إحساس الآدمي بهذا كله، إحساس نسبي ومتغاير من شخص إلي آخر، بيد أنه في مجمله إحساس يحس به كل فرد كما يحسه كل مجموع من المجاميع في أي جنس أو نوع أو صنف أو أسرة، ومهما تناهي المخلوق في البساطة والصغر كالجراثيم والخلايا الحية.
 
عاش ويعيش في صفحة وعينا، من القدم، مايسود لدينا أفراداً وجماعات، من التمييز بين القوة والضعف، وبين الأهمية والمكانة والغني ـ وبين قلة الشأن أو السوقية أو الفقر أو الإنحطاط أو الهوان. منشأ ذلك العائش الراقد في صفحة وعينا ـ هو ذلك الكفاح الذي تفرضه حياة الأحياء علي هذه الأرض، التي يبدو أنها تعطي لكل علي قدر قوته أو ضعفه وعلي مساحة ما لديه من ظروف تسانده أو تخذله، ويبدو أنها رغم محدوديتها التي يعلمها الآدميون منذ قرون ـ مايزال لديها الكثير جدا من العطاء لعموم البشر وعموم الأحياء علي هذه الأرض!
 
الإنحياز للذات وتغطية العواطف!
 
علينا أن نفطن إلي إثر ودور إلتفات كل فرد منا إلي ذاته، وانحيازه الطاغي لها إنحيازاً غطي عواطفنا ومعظم تفكيرنا. هذا الدور الهائل قد تعرض في حياة كل منا تعرضاً متزايداً للتآكل منذ القرن السادس عشر في أوربا الغربية وزاد التصدي له والهجوم عليه في القرنين الأخيرين نتيجة الإهتمام المتزايد بالمعارف الوضعية التي نجتهد في إسناد معطياتها ـ لا إلي التصور الذهني والقضايا الفكرية العامة ـ بل إلي رصد الواقع المشاهد بالحواس والملحوظ من التجارب المبنية علي هذا الواقع وأحكام إنضباط نتائـج تلك التجارب بالتعبير عنها تعبيراً ثابت الأداء والأدوات وبالرياضيات القابلـة دائمـاً للمراجعـة والتصحيـح بلا مقاومة .
 
هذا التآكل في إنحياز الآدمي إلي ذاته ـ برغم إضطراده مع إضطراد نفوذ ونتائج المعارف الوضعية، وإن كان قد أوهن وأضعف التعصب لدي أهل هذه المعارف إلي حد بعيد، إلاّ أنه لم يقو ولم يصل بعد إلي محو تعصب كثرة الناس حتي الآن لمسلماتهم ومصدقاتهم ومعتقداتهم التي تعيش معهم ويعيشون عليها، ولهذا خطورته المشهودة لكل عاقل ـ علي الحضارة الحالية التي زادت في أهمية أصوات الكثرة ونفوذها في المسائل العامة بكل جماعة!!
 
    عدم بلوغ الغاية لأثر هذا التآكل في إنحياز الآدمي لذاته، يبدو أنه يرتد منتكساً إلي كثيرين من المشتغلين فعلاً بالمعارف الوضعية ومن أصحاب المهن المبنية علي هذه المعارف، وذلك مصدر خطر  وضرر تحس به الآن الجماعات المتحضرة والتي في طريقها إلي التحضر .
 
تقدم العقل وزيادة الأهواء!
 
يبدو لي من أسف! ـ أن تقدم عقل الإنسان في الفهم، يصحبه زيادة في الأهواء، وأن ترقيه في المعرفة يستولد لديه حماقات جديدة، وأن ولوعه في الإنكباب علي دراسة ما فيه ومعه وحوله وداخله وخارجه وبغاية ما يستطيع من الدقة والإتقان ـ يواكبه، للغرابة المؤسفة، ظهور المزيد من الخفة والسطحية وقلة المبالاة، وأن هذه النقائص من توابع التقدم والترقي والإجتهاد ـ ينتظر أن تؤدي علي نحـو ما دورها في مقاومة ما في فطرتنا من الميل إلي المبالغة والشطط، وربما كـان ذلك لـه مدخـل مـن مداخل نواميس الكون فينا .
 
ولذا قد يكون هذا هو مرجع إهتمامنا وإحساسنا بالفروق بين الأفراد والأسر والجماعات ـ في القوة والمكانة والنفوذ والثروة، وما نبني عليه من قديم القديم من فوارق واسعة معترف بها بين الأصيل والوضيع والحاكم والمحكوم والغني والفقير، والمتعلم المثقف والأمي والعامي والسوقي، مما يميز ويحدد به البشر حتي الآن معالم الطبقات والمستويات .
 
المساواة وموحياتها
 
ليس من شك، أن الآديان وفي مقدمتها الإسلام، قد وقفت وقفة لافتة ـ وإنسانية، إزاء هذا التفاوت وآثاره بين البشر.. وسعت وسعي المخلصون العقلاء إلي إحتواء هذه الآثار الضارة، وإلي تلمس قدر أكبر من التوازن يكون من شأنه إزالة آثار هذا التفاوت ونواتجه. قضية المساواة بين البشر صارت من زمن قضية مطروحة وبشدة أمام حقائق التفاوت وعوادمه.. تتقدم النظريات والأفكار فكرة تحسين حال الكثرة ماديا وإجتماعيا وفكريا وتخليصها من الفاقة وخطر الفاقة والهوان والتعرض للهوان البدني والنفسي وإنقاذها من الأمراض المترتبة علي الفقر والمرض والهوان، وهذا مطلب وهدف ممكن وسديد ومعقول، ينبغي أن تدرك معه الانسانية أن تنفيذه يحتاج إلي وقت وجهد ومال وإخلاص، فتنفيذه واجب إذا أريد لجنسنا البقاء ودوام الترقي.. رب نظر آخر أو فكرة أخري تتجاهل علمانيا الفروق الطبيعية بين الآدميين في الأجساد والمواهب والموارد والأجواء والأقاليم والأمكنة والأزمنة، إلا أن هذه الفكرة العلمانية تغفل الفروق الواقعية التي بنيت علي جهود وتضحيات ومساع لأجيال متتابعة. هذا الأغفال أو التجاهل التام من شأنه أن يزيل أو يمحو الآثار والنواتج المفيدة لكفاح الآدمي والتي أصبحت ضرورة للحفاظ علي مستوي الحياة الإجتماعية والفردية.
 
يبدو أنه لاغني للمساواة أ ولعل الأدق : »للشعور بالمساواة« فيكل شيء بين الأفراد في جماعة ما ـ لاغني لتحقق هذا من وجود هدف عظيم قادر غالب متحكم في نفس وعقل كل فرد، بحيث ينسي مع الشعور به وتذكره ـ الدنيا وفوارقها نسيانا غالبا عميقا تهون أمامه ـ وربما تختفي ـ القيم والأهداف والسباقات الدنيوية بقضها وقضيضها التي تواجه الملتفت إليها في كل لحظة. هنالك يمكن أن يقترب من الواقع التساؤل : هل يمكن أن يتسع أمام البشر بفضل العلم والترقي والتطور ـ ميدان الحياة والأحياء في هذا الكون الواسع بحيث يمكن أن يبلغ أي فرد ما يريده بيسر وبلا عائق؟! أو هل يمكن أن يصل البشر، إلي وسائل ميسرة في متناول إرادتهم وأيد يهم تمكنهم من السيطرة في كل وقت علي طباعهم ورغابهم، واخضاعها دائما لصوت الأفهام والعقول، فيعرف كلُّ معرفة يقينية إمكاناته وإستعداداته ويرضي بما تيسره له، ويستقبح أن ينظر إلي غيره نظرة الطامع أو الحاسد أو الحاقد أو الأناني أو الطاغي أو المتحكم المستبد؟! ـ أتري هذا ممكن التحقق والتحقيق، أم أنه خيال فيما يري النائم لأحلام »المدينة الفاضلة«؟!
 

شارك الخبر مع أصدقائك