رجائى عطية

شهيد العشق الالهي

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

شهيد العشق الإلهي الذي أريد أن أحدثك عنه، هو السهروردي المقتول شهاب الدين.. حكيم القرن السادس الهجري، وشاعر الصوفية وأديبها المفوه الطائر المحلق في رحاب الفكر والتأمل.. قتلته الكلمات كما قتلت الحلاج، والقتلة أشباه ونظائر في كل عصر وأوان.. هم بالأمس القريب كما كانوا بالأمس البعيد، وهم اليوم كما كانوا في كل ماض قديم أو غابر سحيق !
 
في بلاط الملك الظاهر الأيوبي بالشام، كما في كل بلاط، ذهب الحقدة ليوغروا صدر الملك علي الصوفي العاشق، ويثيروه لإهدار دمه بزعم أنه يفسد العقول ويزعزع العقائد.. يأبي الملك إلا أن يحتكم إلي ثقة وتقدير الشيخ افتخار الدين شيخ المدرسة الحلوية الذي عرف بمحبته للسهروردي وتقديره له، فأفرغ الشيخ كل ما في جعبته من علم وإنصاف، حتي رد الحقدة عن بلاط الملك الظاهر مفمحين خائبين !!
 
في ماخور من مواخير التآمر، اجتمع الحقدة يدبرون كيف السبيل إلي بلوغ الغاية وتنحية السهروردي من طريقهم.. إن الملك الظاهر يحبه ويؤثره، والشيخ افتخار الدين قواه َّوأيد حسن رأيه فيه، أما وقد خاب مسعي الدس لدي الملك الابن، فلا عليهم إلاَّ أن ينتقلوا إلي إيغار صدر الملك الأب: صلاح الدين الأيوبي.. فهو يكره الفلسفة والفلاسفة، ويسير أن تُحمل صوفية السهروردي علي أنها ضرب من ضروب الفلسفة، ولا بأس لزوم التأليب من تحذير صلاح الدين من أن السهروردي سوف يفسد عقيدة ابنه الملك الظاهر !!
 
جاء خطاب صلاح الدين آمراً بإبعاد السهروردي ونفيه، ولكن الملك الظاهر لا يسرع إلي تنفيذ الأمر، يتراخي ويتمهل بحثا عن مخرج لإنقاذ الصوفي الحكيم من شر تدبير الحاقدين الذين جعلوا يلحون عليه كل يوم، فلا يجد مناصاً بعد شهور، من عقد مجلس للمناظرة بينهم وبين الحكيم المفتري عليه..
 
كانت أشعار السهروردي في العشق الالهي، هي تعلتهم للضرب فيه، متجاهلين رموز الصوفية في الإلماح إلي الذات العليا وأسلوبهم في المناجاة لنور الأنوار.. جعلوا يحرفون حنينه إلي رب العزة، وأشواقه للاتصال بالذات الإلهية، ويصورونه علي أنه بوح بمحبة معشوقة في دنيا الناس، وتعبير عن ألم العشق وجوي عاطفة مشبوبة !
 
بيد أن السهروردي لا يجزع ولا يبالي بأنباء المؤامرات التي جعلت تأتيه بما يحاك ضده.. وكيف يجزع وهو الصوفي صاحب النزعة الإشراقية.. ولكن أقلية علي رأسها الشيخ افتخار الدين جعلت ترد سهام الحقدة أمام الملك الظاهر، وتستشهد بأبياته القاطعة بأن العشق الذي تتنادي به هو للذات الإلهية،..
 
يا صاح: ليس علي المحبَّ ملامة
 
إن لاح في أفق الوصال صباحُ
 
لا ذنب للعشاق إن غلب الهــوي
 
كتمانَهُمْ فنما الغرامُ فباحــوا
 
سمحوا لأنفسهم وما بخِلو بهـا
 
لما دَرَوْا أن السَّماحَ ربــاحُ

 
ودعاهُمُ داعي الحقائق دعــوةَ

 
فغدوا بها مستأنسين وراحـوا

 
ركبوا علي سنن الوفا ودموعهم

 
بحرٌ، وحادي شوقهِـم ملاّحُ

 
والله ما طلبوا الوقوف ببابــه

 
حتي دُعُوا وأتاهُمُ المِفتــاحُ

 
لا يطربون لغير ذكر حبيبهــم

 
أبداً فكل زمانهـــم أفراحُ

 
حضروا فغابوا عن شهود ذواتهم

 
وتهتكوا لما رأوْه وصاحُــوا

 
فتشبهوا إنْ لم تكونوا مثلهــم

 
إن التشبه بالكرام فـــلاحُ
 
*   *   *
 
كان الخطاب مختلفا، كما كانت الأهداف متباينة، في المناظرة التي عقدت ببلاط الملك الظاهر، السهروردي لا يبالي بالمداهنة، ولا يستهدف سوي بيان وتجلية منطقة وتسامي روحه المترفعة عن الدنايا والشرور، بينما كانت هذه الدنايا والشرور هي موضوع وغاية من تجمعوا عليه.. مضت المناظرة وهو يفحمهم فيها بعلمه ومنطقه ونصاعة بيانه وحجته، وهم يتراجعون منهزمين حتي أوشكوا علي التسليم، لولا أن أسعفهم واحد من لئامهم فقال للسهروردي: »ألم تذكر في بعض تصانيفك أن الله قادر علي أن يخلق نبياً«؟!.. وفي ثقة غير وجلة، يجيبه السهروردي: »عم. ذكرت ذلك«..فعاد اللئيم يقول:»أما علمت أن هذا أمر مستحيل«؟!. سأله السهروردي: »وما وجه استحالته«؟. فإن الله القادر هو الذي
 
لا يمتنع عليه شيء ».. سارع الحقدة المتآمرون لتلقف هذه الإجابة مقاطعين مشوشين علي السهروردي ومصادرين عليه حتي لا يتم عبارته التي تفرق وتميز بين الممكن في ذاته، وبه تتعلق قدرة الله التي
 
لا يحدها حد، فأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وبين الممكن الذي أخبر القرآن المجيد أنه لن يقع، لأن هذه هي إرادة الله القادر..
 
انتهزها المغرضون فرصة، بعد أن صادروا عليه، لرجمه بالكفر وكتابة وثيقة بإهدار دمه.. فلا يبالي السهروردي، ويختار أن يموت صبراً في محبسه ممنوعاً عنه الطعام والشراب، فلما استهول
 
الملك الظاهر وجزع علي الرجل من هذا الطريق الذي اختاره، فوجئ والحاضرون بالسهروردي يقول للملك: »لا عليك.. ان ذلك أقرب إلي طبعي، وأصلح لتعبدي وتهَيئي للقاء ربي«!
 
سمعه القريبون منه يتمتم لنفسه في مناجاة.. »واشوقاه إلي السرادق القدسي.. ووا أسفاه علي العالم العقلي«!.. وفي محبسه، كان الحراس يتسامعون من وقت لآخر إنشاد شهيد العشق الإلهي..
 
قلْ لأصحابٍ رأونــي ميتــاً

 
فبكَوْنـي إذ رأوْنــي حَزَنــا

 
لا تظنُّونــي بأنــي ميــتُ

 
ليس ذا الميتُ واللـه أنــــا

 
أنا عصفورٌ وهذا قفصــي

 
طِرْتُ منـه فتخلَّــي رَهَنــا

 
وأنـا اليـومَ أناجــي مــلأً

 
وأري الله عيانـــاً بهنـــا

 
فاخلعوا الأنفسَ عن أجسادِهـا

 
تَرَونَّ الحق حقّاً بينــــــا

 
لا ترْعكمْ سكرَةُ الموتِ فمــا

 
هي إلاّ كانتقالْ مـن هنــــا

 
من رآني فليقوَ نفســــه

 
إنما الدنيا علي قرن الفنــــا

 
وعليكم من كلامي جملـــة

 
فسلام الله مدح وثنــــــا

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »