بنـــوك

شهادات القناة.. أداة تمويل يصعب تكرارها

شهادات القناة.. أداة تمويل يصعب تكرارها

شارك الخبر مع أصدقائك

سهير محمد

بعد مرور عام على افتتاح مشروع تفريعة قناة السويس الجديدة، التى تم تمويليها عبر أسرع أداة تمويلية نجحت فى جمع أكثر من 60 مليار جنيه فى بضعة أيام، تطرح «المال» تساؤلًا على خبراء التمويل حول فرص تكرار التجربة لمشروعات قومية مماثلة، وهل ستلقى نفس النجاح الذى حققته قبل نحو عامين.

فيما أكد خبراء تمويل ومصرفيون صعوبة تكرار نجاح شهادات استثمار قناة السويس؛ نظرًا لاختلاف الظروف والأوضاع الاقتصادية بصورة ملموسة، وتغيير مستوى العائد بالسوق، علاوة على أن تلك الشهادات كانت لها حالة خاصة وفريدة قد يصعب تكرارها، وأن الحماس الوطنى وحشد الرأى العام حول المشروع العملاق لعبا دورًا محوريًّا وأساسيًّا فى التفاف وتهافت الأفراد على شراء الشهادات من البنوك.

كما لفتوا إلى أنه بعد مرور عام على تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة وعدم تحقق الزيادات المتوقعة بإيرادات القناة، فإن ذلك قد يقلل من شهية الأفراد للمشاركة عبر شراء أدوات التمويل أو الشهادات الاستثمارية المماثلة.

وتعدُّ شهادات قناة السويس التى جمعت أكثر من 64 مليار جنيه فى  8 أيام، أسرع أداة تمويل، إذ إن تولِّى البنوك لتدبير تلك السيولة عبر القروض البنكية المتعارف عليها، يتطلب وقتًا طويلًا للدراسات الائتمانية والموافقات، كما أنه يحتاج لتوزيعه على عدة شرائح لضخامة المبلغ المستهدف الحصول عليه.

ولقيت شهادات القناة إقبالًا كبيرًا عند طرحها بالبنوك، مطلع سبتمبر قبل الماضى، وكانت فكرة طرح شهادات استثمار مبادرة حكومية وبدعمٍ رئاسى، حيث وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون يسمح لهيئة قناة السويس بإصدار شهادات استثمار، وتم تحويله لرئيس الجمهورية وصدَر به قرار جمهورى بقانون، وتم توقيع بروتوكول بين الهيئة والبنك المركزى والبنوك المشاركة فى الإصدار، ووزارة المالية، وبدأ طرح الشهادات فى البنوك التى لقيت إقبالًا غير متوقَّع، مما دفعها لمد ساعات العمل إلى الثامنة مساءً.

وتبدَّى نجاح هذه التجربة فى أنها استطاعت جذب سيولة من خارج قطاع البنوك، حيث وصل إجمالى حصيلة الأموال الجديدة 27 مليار جنيه، وبلغت نسبة اكتتاب الأفراد %82، فيما وصلت نسبة المؤسسات والشخصيات الاعتبارية إلى %18.

فى هذا السياق أكد طارق حلمى، رئيس بنك التنمية والائتمان الزراعى الأسبق، الخبير المصرفى، عدم وجود ما يمنع تكرار طرح شهادات استثمارية مماثلة لشهادة قناة السويس؛ بغرض تمويل مشروعات تنموية كبرى، لكن لا بد أن يكون مشروعًا قوميًّا يلتفُّ الناس حوله مثلما كانوا مع مشروع قناة السويس الجديدة.

إلا أن حلمى يرى صعوبة تكرار نجاح شهادات القناة مع مشروعات قومية أخرى بنفس المستوى؛ لاختلاف الظروف، موضحًا أنها نجحت فى جمع مبالغ أكبر من المستهدفة حينها، وأن الحماسة الوطنية والتفاف المصريين حول المشروع لعبا دورًا رئيسيًّا ومحوريًّا فى نجاح تلك الأداة فى جمع تمويل ضخم يتخطى حاجز 60 مليار جنيه خلال أيام قليلة، إضافة إلى أن العائد كان أعلى من سعر السوق وقت طرحها، مؤكدًا تأخر الوقت للتفكير فى استغلال نجاح التجربة وتكرارها، وأن هناك بدائل أخرى لتوفير التمويل اللازم لتلك المشروعات، فى ظل العجز الكبير بالموازنة، ومنها طرح الصكوك باعتبارها أداة جاذبة والصكوك الإسلامية قادرة على جذب أموال الأفراد الممتنعين عن التعامل مع البنوك لأسباب شرعية.

فيما أشار إلى إمكانية لجوء الشركات لطرح سندات بغرض جمع تمويل- بدلًا من الاقتراض من البنوك- لمشروعاتها، وهو ما تقوم به بالفعل بعض الشركات الكبرى، ومنها الشركات متعددة الجنسيات التى تعتمد على السندات والتوريق لتوفير سيولة، لافتًا إلى أن النجاح الحقيقى لشهادات قناة السويس كان فى قدرتها على جذب أموال جديدة من خارج القطاع المصرفى، تحت البلاطة- وفق تعبيره- وصلت لحوالى 30 مليار جنيه فى 8 أيام، وهو ما يعنى أنه ما زالت هناك أموال ضخمة متداولة خارج القطاع البنكى يلزم العمل على اجتذابها.

من جانبه قال محمد عبد العال، مدير عام بنك العربى بالسودان السابق، الخبير بشئون التمويل، إنه لا أحد ينكر أهمية تجربة طرح شهادات قناة السويس فى تمويل المشروعات القومية الضخمة، لكن هذا غير مستحَب فى الوقت الحالى للعديد من الأسباب.

وأوضح عبد العال أن أهم تلك الأسباب أن مشروع قناة السويس الجديدة كان مميزًا وله بُعدٌ وطنى، كما كان بمثابة اختبار لتجاوب المصريين مع القيادة السياسية فى ذلك الوقت، لتنفيذ مثل هذا المشروع القومى، بغض النظر عن أهمية دراسة الجدوى للمشروع والتقديرات الخاصة بأنه سيؤدى لزيادة عوائد القناة من حوالى 5 مليارات دولار إلى 11 مليارًا سنويًّا.

وأشار إلى أنه غير مرغوب فى الوقت الحالى الحديث عن تكرار تجربة شهادات قناة السويس، فى ظل عدم تحقق التوقعات الخاصة بزيادة عوائد القناة، رغم تنفيذ المشروع فى وقت قياسى بلغ عامًا واحدًا، إضافة إلى أن طرح شهادات استثمار فى الوقت الراهن يتطلب تقديم عائد لا يقل عن 15 % فى ظل ارتفاع معدل التضخم إلى %14.

ويرى أنه من الصعب تكرار التجربة وحشد الناس لجمع أكثر من 64 مليار جنيه فى أسبوع مرة أخرى، إذ ستكون هناك تساؤلات عديدة أهمُّها: هل تحققت زيادة بإيرادات القناة؟ وهل لدى الدولة القدرة على دفع عائد أعلى من سعر السوق، مثلما حدث من قبل؟ خاصة أن الدولة تحملت فارق سعر الفائدة على أساس الإيرادات المتوقَّعة للقناة الجديدة، وأن انكماش حجم وعوائد التجارة العالمية لم يكن فى الحسبان.

ويرى عبد العال أن هناك بدائل لتوفير التمويل للمشروعات القومية فى الوقت الحالى، منها برنامج الطروحات الذى طرحته وزارة الاستثمار من خلال توسيع الملكية فى إدارة الشركات.

وحول عدم استغلال شركات القطاع الخاص نجاح شهادات استثمار قناة السويس، لطرح سندات وتسويقها للأفراد كبديلٍ عن التمويل المصرفى، قال عبد العال إنه يصعب على أغلب الشركات أن تُقْدم على خطوةٍ كهذه؛ إذ إنها غير قادرة على منافسة سندات الدين العام المضمونة من الحكومة.

وأضاف أن نجاح قيام الشركات بالاعتماد على السندات يتطلب مقومات لا تتوافر إلا فى الشركات الكبرى ومتعددة الجنسيات، وهناك بديل آخر أمام الشركات الأخرى، وهو طرح أسهمها بالبورصة.

واتفق معهم فى الرأى رامى عرابى، المحلل المالى بشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، مؤكدًا أن الظروف أصبحت مختلفة الآن إذا أردنا الحديث عن تكرار تجربة شهادات قناة السويس، مستبعدًا أن يكون لها نفس المردود من الإقبال الكبير على الاكتتاب فى الشهادة، رغم وجود مشروعات ذات عائد وقيمة مضافة فى حاجة للتمويل، مثل مشروعات الطاقة ومحطات الكهرباء، إلا أن قناة السويس كان لها ظروف خاصة قد لا تتوافر فى مشروعات أخرى.

ولفت عرابى إلى أنه أصبحت هناك بدائل أخرى أمام الحكومة للحصول على الأموال دون أن تحمِّل نفسها أعباء عائد مرتفع على فترات طويلة، منها صندوق تحيا مصر الذى يتبنى أكثر من مشروع قومى وغيرها من التبرعات التى لا تكون مضطرة لردِّها أو دفع عائد عليها.

وأكد عرابى أن طرح أدوات استثمارية لتمويل مشروعات حكومية يزيد من سيطرة الحكومة على التمويل، إذ إن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال من السيولة المتوافرة داخل البنوك، والتى تستحوذ على %60 منه بالفعل، مقابل %20 للقطاع الخاص.

وأكد الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، أنه عند الحديث عن تكرار تجربة شهادات قناة السويس على أى مشروع قومى آخر، لا بد أن نضع فى الاعتبار أن هذه الشهادات ذات طبيعة خاصة؛ لأنها صادرة عن هيئة قناة السويس- أقوى هيئة اقتصادية فى مصر وذات وضع مالى قوى، موضحًا أنه عندما تفكر الدولة فى طرح هذه الآلية مرة أخرى لتمويل مشروعات قومية، سيكون السؤال هنا: مَن الجهة التى ستطرح؟ وقياسًا على الهيئة العامة للكهرباء على سبيل المثال، التى لديها مشروعات طاقة ذات عائد، وإنتاجها عليه طلب مضمون، إلا أن الهيئة تعانى من أعباء مالية.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »