رجائى عطية

شعرى (2)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية جديد
قيل فيما يشير الأستاذ العقاد ـ إن العالم النفسى «آدلر» قد خالف أستاذه «فرويد» فى إيمانه بالعامل المهم فى النفس الإنسانية، فأنكر ما يتبناه «فرويد» عن عامل «الجنس»، وأنه العامل المهم والينبوع الخفى الذى تصدر منه أسرار النفس، وترجع إليه كوامن أشواقها ومخاوفها، وقرر «آدلر» ــ خلافًا لأستاذه ـــ أن «حب الحركة لإثبات الذات» هو ذلك الينبوع الأصيل فى كل نفس بشرية، لأن الإنسان ألصق به من جنسه، ولأن ال «أنا» فيه أسبق وأعرق من الذكورة والأنوثة فى كل من الرجل والمرأة.

وهذا ويقول الشاعر «أبو الوفا» ـــ وقد أسلفنا كامل اسمه ووجيز سيرته ــ يقول فى أبياته إلى شاعر النيل حافظ إبراهيم مترجم «البؤساء»:
يا صاحب «البؤساء» جاءك شاعر

يشكو من الزمن اللئم العانى
لم يكفه أنى على عكازة أمشى، فحط الصخر فى طرقاتى
ثم انثنى يزجى علىّ مصائبا سحبا كقطعان الدجى جهمات
في ليلهن فقدت آمالى الألى صاحبتنى مذ لاح فجر حياتى
فغدوت فى الدنيا ولا أدرى أمن أحيائها أنا أم من الأموات؟!

وتلك فيما يقول الأستاذ العقاد ــ هى صيحة الحس من أثر الصدمة العارضة، ولكن طبيعة الشاعر الحية سمت بالصدمة الحسية فوق هذه الشكوى إلى مغالبة الحوادث وإطلاق النفس من قيودها، فأصبحت عقيدته كلها تعلقًا بالحركة، ونفورًا من القيد، وتطبيقًا للفكرة الجياشة التى سماها كما يسميها علم النفس «بالتسامى»، وقال عنها مرة من مرات فى أوائل صفحات الديوان:

وأحق الناس فى الناس احترامًا
من تعالى عن هواه أو تسامى
ذا هو الجمر الذى يخشى نهاه
لا سواه. وهو لا يرجو سواه.

بل أصبحت غايته كلها من الحياة أن يتخطى القيود وأن يتركها، ولا يَجُرُّ وراءه سلاسل الحديد:
وإذا متّ مت حرًا لأنى لم أضف للحياة قيدًا جديدًا
بل إذا مت لم أجُرَّ ورائى من كلامى سلاسلا وحديدا

وقد يترجم عن هذه العقيدة أحيانًا بحب القوة، كما يترجم عنها بحب المجد أو بحب الحرية، ولكنك تتطلع وراء هذه الأمثلة العليا جميعًا، فترى خلالها شيئًا واحدًا هو حب الحركة والتعلق بالحركة وحدها دون الغاية التى تصير إليها:

قدر ماض إلى غايته
مسرعًا حتى وإن لم يسرع
لا يبالى بالمسافات ولا
بالذى يعنيه كسب الموقع
الذي يسأل عن موضعه
سوف يمضى ماله من موقع

وفى خلال هذا الانطلاق المسرع إلى غير موضع، تنبعث به انطلاقته تارة إلى المجد الذى يهون فى سبيله سفك الدماء :

لن تبلغ المجد إلا إن صعدت له
على سلالم أشلاء وهامات
ومذهب الحركة الدائمة هو مذهب الشاعر فى الحب، وفى الغزل، وفى تقدير الجمال، ونشدان الكمال:
كل ما فى الأمر أنى هائم ولقد آثرت عيش الهائمين

ولقد وافق مذهب الحركة نزعته إلى التسامى، وانبعث من أعماق حياته ومن عوارض حياته، ولكنه وافقه فى الشعور المطبوع من غير باعث واحد فى حياته الخاصة والعامة ؛ لأنه هو الشعور الذى تمليه حوادث التاريخ بعد رقدة الجمود وطول العهد بالسلاسل والقيود.
واللغة الخاصة التى يعنيها الأستاذ العقاد؛ هى اللازمة للشعر الخاص، الموافقة له فى تعبيرها عن «الشخصية الفنية» موافقتها له فى تعبيرها عن كل دعوة فى وجدان الشاعر ووجدان الأمة التى نشأ فيها.

ويندر فى هذا الديوان ــ فيما يقول ــــ أن تقع على قالب من قوالب التعبير التى سماها بالصيغ المحفوظة والأساليب المطروقة، ويصح أن نسميها دائمًا بأنها فى البلاغة أنماط كأنماط التحية المتفق عليها حتى توشك أن تفقد معناها، ويستمع إليها السامع وهو لا يصغى إلى كلماتها وحروفها.
وإنما يراه الأستاذ العقاد على نقيض ذلك ــ قد ترك الصيغ المحفوظة فى نظم القصيد ؛ ليستبدل بها الصيغ التى لا تزال تجرى مجراها على الألسنة فى طريق الحفظ والقالب المتفق عليه.

ومن العبادات الشائعة التى تتردد فى الديوان ــ قول الشاعر:
أى وضع ذلك الوضع الحقير؟!
أنا مما أنا فيه مستجير
ربِّ هب لى حق تقرير المصير
أو قوله من «النشيد»:
ودعينى أجتلى شخصيتى
أو أرى ذاتى على مرآة ذاتى

وهذه وأشباهها عبارات شائعة بين أبيات الديوان شيوعها على ألسنة المتحدثين أو على أقلام كتاب الصحف، وهى فى رأى النقاد من صيارفة الكلام أشبه بعبارات الكلم المنثور منها بعبارات القصيد، وأقرب إلى المعانى المعقولة المحسوسة منها إلى المعانى الملهمة التى يتلقاها الوجدان من الوجدان ويومئ بها الخيال إلى الخيال.

بيد أن الأستاذ العقاد على إقراره لهذا النقد، يجد للشاعر عذره، فالعبارات (المحسوسة) فى ديوان أبى الوفاء غير قليلة، ولكن القليل فيه هو العبارات الببغاوية التي يقولها من لا يعيها، ويسمعها من لا يعى منها غير إشارة كإشارة اليد أو صيحة كصيحة النداء المجهول: أنماط كأنماط التحية المتفق عليها بمعزل عن عمل الرأى والقلب واللسان.
وأقرب للإنصاف ــ فيما يرى ـــ سؤال النقاد هل يرون هذه الأبيات يلائمها تعبير أصلح لها من هذا التعبير؟ أو أقرب إلى طبعها ومعدنها؟

إن من يقر الكلمات فى نظم الشاعر، ينصفه من النقد وينصف النقد منه، ومن اختار غيرها فله أن ينتظر من التأييد والاستحسان وفاق حظه من الإصابة والتوفيق.
ويختم الأستاذ العقاد بأنه سيبقى بين هذين الفريقين ــ مكان يضع الديوان فى ميزان الفن الجميل، ومن ثم ترجح به كفة الميزان.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »