رجائى عطية

شعرى ( 1 )

شارك الخبر مع أصدقائك

هذا هو عنوان أحد مقالات الأستاذ العقاد، المعاد نشره فى مجموعة «دراسات فى المذاهب الأدبية والاجتماعية» المنشورة سنة 1967، وأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ للعنوان، أن الأستاذ العقاد يتحدث عن شعره، ولكنه حينما يوغل فى القراءة، يعرف أن المقصود هو ديوان «شعرى» لأحد الشعراء، ولم يذكر المقال سوى أن اسمه «أبو الوفا»، تاركًا للقارئ أن يبحث من جانبه عن الشاعر المقصود وعن ديوانه موضوع المقال.

وبالبحث استبان لى أن المقصود هو الشاعر « محمود أبو الوفا » اسمه كاملاً «محمود مصطفى أبوالوفا الشريف»، وولد سنة (1318 هـ / 1900م) بقرية الديرس بمركز أجا محافظة الدقهلية، وعاش بين مصر وفرنسا، وتوفى بالقاهرة سنة (140 هـ/ 1979م)، وتعرض لحادث وهو فى العاشرة من عمره، أدى علاجه الخاطئ إلى إصابة قدمه بالغرغرينا مما اقتضى بترها، وبدأ ينظم الشعر مبكرًا، وشارك فى مسابقة أقيمت عام 1927 م لتكريم أحمد شوقى أمير الشعراء، واختارت لجنة التحكيم وكان من أعضائها شاعر النيل حافظ إبراهيم وشاعر القطرين خليل جبران اختارت قصيدته ومنحتها الجائزة، وأرادت اللجنة أن تعهد إليه ليلقيها بنفسه فى حفل التكريم الرسمية، إلاَّ أن شوقى اعترض بسبب جلبابه وعكازه. إلاَّ أن الأنظار بدأت تلتفت إليه، وتتابع ما ينظمه من شعر كانت له فيه فلسفة خاصة.

وقيل إنه نزح إلى القاهرة وهو دون العشرين، وشارك فى مقهى بلدى بشارع عبد الخالق ثروت، فحوله إلى ملتقى ثقافى وصالون أدبى، وانشغل بأحواله المعيشية عن إتمام الدراسة التى تغيا إتمامها بالأزهر، وتنقل لكسب قوته بين مهن صغيرة، فعمل بائع فول مدمس، وعامل فى مقهى، وبائع سجائر، ووسيط أراضى زراعية، حتى استقرت أحواله بالانضمام إلى أسرة تحرير مجلة «المقتطف» بدعوة من رئيس تحررها الدكتور فؤاد صروف، وعهد إليه بتحرير باب «مكتبة المتقطف»، وأقامت له «رابطة الأدب الجديد» حفل تكريم، ووجدها أمير الشعراء فرصة لتعويضه عن اعتراضه سلفًا على إلقاء قصيدته التى فازت فى مسابقة تكريمه، فأرسل شوقى إلى الأهرام قصيدة فى تكريم أبو الوفا، وأشاد ببراعته الشعرية رغم العكاز الذى يقيد خطواته وحركته، ونوه بأنه صاحب خيال متحرر، يجوب البلاد وينتشر فى الآفاق، ومما جاء فى قصيدة أحمد شوقى عنه:

البلبل المغرد الذى هَزَّ الربى
وشجى الغصون، وحرك الأوراقا
حلف البهاء على القريض وكأسه
تسقى بعذب نسيبه العشاقًا
فى القيد ممتنع الخطا وخيا
له يطوى البلاد وينشد الأفاقًا
سَبَّاق غايات البيان جرى
بلا ساق فكيف إذا استرد الساقًا

…….

وبدأت منذ هذا التاريخ صفحة جديدة فى حياة « أبو الوفا »، فسافر إلى باريس فى يونيو 1932، وعاد منها فى بدلة بدلاً من الجلباب وجهاز صناعى بدلاً من العكاز الخشبى، وفى نفس ذلك العام صدرت له مجموعته الشعرية «أنفاس محترقة»، وانفتحت لأشعاره مجالات النشر فى المجلات والصحف، وغنى له موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب قصيدة «عندما يأتى المساء»، وطلبت منه وزارة المعارف استكمال ما نظمه أمير الشعراء (بعد وفاته) من شعر الأطفال، فاستجاب بمجموعة شعرية عرفت باسم « المحفوظات المختارة » قررت وزارة المعارف حسب مسماها فى ذلك الزمان تدريسها، ثم عمل «أبو الوفا» مذيعًا بالإذاعة المصرية، وانضم لرابطة الآداب الجديد التى أنشأها الشاعر الطبيب أحمد زكى أبو شادى، ثم جماعة أبوللو الشعرية التى أنشأها أبو شادى عام 1932، ونشط فى العمل السياسى، وشارك بشعره فى ثورة 1919، ويعد من الشعراء المجددين والمؤثرين فى الثقافة المعاصرة.


ولعل هذه السطور الموجزة، توضح لنا لماذا اختار الأستاذ العقاد ديوانه «شعرى»، ليكتب عنه ويحلله ويبدى رأيه فيه فى ذلك المقال الذى نعرض له.
يرى الأستاذ العقاد أن صاحب ديوان «شعرى» وقد ذكرنا أنه الشاعر «محمود أبو الوفا» قد أحسن فى اختياره هذا الاسم لمجموعة قصائده ومقطوعاته، لأن شعره حقًّا هو الشعر الذى يقوله هو ولا يقوله غيره، وآية ذلك أنه يعنى ما يقوله ويقول ما يعنيه، وأنه وحى السليقة الذى تمليه عليه حياته وبواعث وجدانه من آثار هذه الحياة وآثار عوارضها.

وتلك شهادة يندر أن تصدر من الأستاذ العقاد فى مدح شاعر ومدح شعره، ولذلك نراه يستهل مقاله بمناسبة كتابته عن ديوان هذا الشاعر، بأن الشعر العربى كفؤ لأداء رسالته ما دامت له تلك اللغة الخاصة التى يعبر بها صاحب «الشخصية الفنية» عن معانيه المقصودة بوحى فطرته وبواعث وجدانه وإرادته.
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »