رجائى عطية

شر البلية ما يضحك‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

ذكرني بشر البلية، انجذاب الكاميرا الإعلامية انجذابا مريضا لكل تافه مخالف للأعراف استسلاما لحكمة قديمة، قالها أريب خبيث : »خالف تعرف«!.. لا يهم في ماذا ولا بماذا تخالف. المهم أن تخالف فتعرف وتنجذب إليك الأنظار ومعها الاهتمام!
 
كان ظني أن ذلك محصور في جمهور الناس.. في السذج والبسطاء والسطحيين، ولم يدر بخلدي أن يسري ذلك علي المنوطين بتكوين «عقل الأمة« وما يستخدمونه من الكاميرات والأفلام الإعلامية..
 
و الأدهي أن يجري ذلك في أمهات المسائل المتعلقة بالمصير المقول بأنه جاري نظره والبت فيه ـ في مؤتمر القمة بالدوحة!
 
الفرض أنه مؤتمر جامع للقمم العربية، والفرض أن كل قمة من هذه القمم هو غاية المراد والمرام والمأمول والمتمكن والمتصرف في بلده.. إذا استقام عوده استقام شعبه.. وإذا استقام تصرفه ومسلكه حذا الشعب حذوه، وتأسّي به.. والفرض أن هذا الجمع من صفوة الأمة العربية قد تركوا أقطارهم وذهبوا إلي الدوحة لجدٍ لا لهزلٍ، وأن الكاميرا والتغطيات الإعلامية ذهبت إلي هناك لترصد الجد لا الهزل، وتتلمس القيمة والفعل من قيم ومواقف ومعطيات هذه القامات!.
 
لذلك فقد صدمني تعليقات ملأت صحفنا ومجلاتنا، أن الأخ العقيد خطف الكاميرا من الرئيس البشير!.. ولم أفهم لماذا تكون الكاميرا منجذبة للبشير؟!. إنني لا أتعاطف مع »شخص« الرئيس البشير، ولكني متعاطف تعاطف المضطر ـ ضد القرار الصادر من الجنائية الدولية بتوقيفه وملاحقته، لا لأنه مظلوم أو كامل الأوصاف، ولكن لأنه رئيس عربي وصار شنق وملاحقات الرؤساء العرب ـ ماسَّا حتي النخاع بكرامة كل العرب، ودالاََّعلي أنهم صاروا في هذا الزمن الكسيح ملطشة كل مَنْ هب ودب، وملطشة الغزوات الأنجلو أمريكية، والبطشات والغارات الإسرائيلية، وملاحقات وتوقيفات المحكمة الجنائية الدولية!
 
إن الرئيس البشير الذي نتعاطف ضد القبض عليه تعاطف المضطر ـ لم يحسن التصرف في دارفور، وهو لم يحسن التصرف أيضا في مشهد الطبل والزمر والرقص الذي يديره في السودان!.. قد تتبع الكاميرات هذه المشاهد الطريفة لتسلية المتلقين، ولكن ظنّي أن الكاميرات الإعلامية في مؤتمر القمة!
 
لا ينبغي أن تنجذب إلي الطرائف وإنما إلي الجواهر إن كانت هناك جواهر!
 
لذلك فقد دهشت لماذا كان يمكن أن تنجذب الكاميرات إلي الرئيس البشير لولا أن غطَّي وزاد عليه وخطف الكاميرات منه : الأخ العقيد!. ظننت للوهلة الأولي أن الأخ العقيد قد أتي بما لم تأت به الأوائل، وتفتق ذهنه عما يقيل الأمة العربية من عثراتها المزمنة، ويقويها علي الأخطار الداهمة المحدقة بها، ولكنّي وجدت أن الكاميرات انجذبت »لخيمة وأزياء« الأخ العقيد. أوصاف الخيمة الفخيمة التي صنعت خصيصاً بإيطاليا أو ألمانيا علي غرار الخيمة التي يشغلها في الجماهيرية، في حراسة الحرس النسائي الشهير. وأوصاف الأزياء اللافتة التي يصممها فخامته بنفسه.. ما بين البدلة البيضاء التي وصل بها إلي مطار الدوحة، والعباءة الليبية، والطاقية البنّية الفاتحة اللون، والنظارة السوداء، ثم في الختام العباءة ولكن بطاقية سوداء، مع الشال البنفسجي في أخضر وأصفر!
 
ما علينا من الخيمة والأزياء، لا بد أن الأخ العقيد اتخذ مواقف مصيرية تجذب جميع الكاميرات.. نقلت عنه هي والميكروفونات أنه قاطع رئيس القمة أمير قطر وانتزع منه الكلمة انتزاعاً لأمر جلل.. أن ينادي علي ملك السعودية ـ والغريب أنه بنية المصالحة! ـ ليقول علي الملأ الذي تتابعه وتسمعه وتشهده الدنيا : »احتراما للأمة أعتبر المشكل الشخصي الذي بيني وبينك قد انتهي، وأنا مستعد لزيارتك، وأنك تزورني«.
 
ولو سكت الأخ العقيد عند هذا الحد، لكانت العبارات جديرة فعلا بالالتفات، والمشهد جديراً فعلا بجذب الكاميرا وسرقتها من الرئيس البشير!. ولكن الأخ العقيد أكمل يقول علي مرأي ومشهد ومسمع من العالم : »أنا قائد أممي وعميد الحكام العرب وملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين.. مكانتي العالمية لا تسمح لي بأن أنزل لأي مستوي آخر«!
 
يا ألطاف الله!. لقد كنا نضحك ملء أفواهنا من التصميم علي وصف لاعب كرة مصري بأنه عميد لاعبي العالم، فإذا بنا نشاهد حاكما عربياً يسبغ علي نفسه هذه الصفات التي لم تجتمع لعمر بن الخطاب، ولا لأحد من الراشدين أو عظماء التاريخ!.. هو مرة واحدة كده : القائد الأممي وعميد الحكام العرب ـ ناقص أن يقول وكلهم ركش ـ وملك ملوك أفريقيا ـ مع أنه رئيس وليس ملكا ـ وإماما للمسلمين.. وبلاش شيخ وشيوخ الأزهر والهيئات الإسلامية في السعودية وغيرها من أقطار الإسلام، فقد صار الأخ العقيد إماما للمسلمين، علي ماذا؟ ليس يهم! المهم أنه إمام المسلمين فضلا عن القيادة الأممية والعمادة وتقلد عرش ملك ملوك أفريقيا!

لم يدهشني ما فعله الأخ العقيد، ولا انصرافه فوراً من بعده تاركا المؤتمر والمجتمعين والموضوعات المزمع بحثها في مصير الأمة، ليذهب لزيارة المتحف القطري لإراحة أعصابه من هذه الخطبة العصماء، وإنما الذي أدهشني هو »انجذاب« الكاميرات الإعلامية العربية التي يبدو أنها قد أصيبت بعمي ضرير لم تعد فيه تفرق بين الهزل والجد، وبين ما يتابع وينقل ليضيف شيئا جادا نافعا مجدياً إلي هذه الأمة المبتلاة، التي صارت بأسرها في مشهد مضحك، ولكنه ضحك كالبكاء!

شارك الخبر مع أصدقائك