طارق عثمان

شباك مفتوح.. الرئيس والمستشار والقرار

شارك الخبر مع أصدقائك

مستشار الأمن القومى الأمريكى، وظيفة بلا توصيف محدد…واحدة من تلك الوظائف التى تتشكل بشخصية وطريقة أداء ودرجة ثقة الرئيس الأمريكى فى من يقوم بالوظيفة.

المستشار يمكن أن يكون أهم مُفسِر لصورة الأمن القومى الأمريكى فى اللحظة التى يخدم فيها فى البيت الأبيض، وواضع استراتيجية العمل لهيئات الأمن القومى الأمريكية المختلفة. مُفسِر هنا تعنى مترجم الأهداف العليا، التى لا تتغير فى الاستراتيچية الكبرى للدولة الأمريكية، إلى نقاط محددة تريد إدارة أمريكية ما، فى لحظة معينة، تحقيقها. فى هذه الحالة، فإن مستشار الأمن القومى هو مركز عملية الفكر وربما إدارة التنفيذ، للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، على الأقل فى الملفات شديدة الأهمية. هكذا كان الحال عندما تولى هنرى كيسنجر تلك الوظيفة فى السبعينات.

المستشار يمكن أن يكون مُنسِقاً لآراء مختلفة داخل البيت الأبيض، فى وزارة الخارجية، فى الپنتاجون (وزارة الدفاع)، وفى وزارة الخزانة، وبُناءً على هذه الآراء، واضع سيناريوهات مختلفة أمام صانع القرار (الرئيس). هكذا كان الحال مع زبجنيو بريچنسكى فى أوائل الثمانينيات.

احيانا، يكون المستشار بمثابة مُفكِر مع الرئيس، مهمته (أو مهمتها) الغوص فى فِكْر الرئيس ومساعدته فى تحويل المبادئ التى قدمها فى برنامجه الانتخابى أو فى وعوده لحزبه والناخبين، الى سياسات قابلة للتنفيذ فى مجالات العمل الدولية للولايات المتحدة. غالبا يكون هذا الدور فى حالات وجود رئيس ذي خبرة محدودة فى العمل الدولى وعالم السياسة الخارجية. وقد كانت كوندوليزا رايس اوضح مثال لذلك الدور مع چورچ بوش الابن فى بدايات الألفية الجديدة.

أحياناً يتراجع دور مستشار الأمن القومى لشكل اقرب ما يكون لمُنظم اداري. وقد حدث هذا فى فترتى رئاسة باراك أوباما، ليس فقط بسبب وجود وزراء خارجية بوزن وتجارب وعلاقات هيلارى كلينتون وچون كيرى، ولكن الأهم، لأن الرئيس فى هذه الحالات (مثلما كان الحال مع أوباما) له رؤى شخصية واضحة فى عدد من الملفات الهامة للسياسة الدولية للولايات المتحدة. وهنا تأخذ هذه الوظيفة شكل تنفيذى فى جوانب كثيرة.

الحال الآن بين الرئيس دونالد ترامپ ومستشاره للأمن القومى چون بولتون، غريب. من ناحية، يبدو واضحاً ان هناك تباعداً كبيراً بين الرجلين فى الأفكار والتصورات. وقد وصل الأمر الى درجة تصريحات متضاربة، دعت الرئيس الى تصحيح مستشاره علناً وفى ملفات رئيسية، مثل التعامل مع إيران. من ناحية أخرى، يبدو چون بولتون واثقاً من قدرته على فرض رؤاه فى العديد من تلك الملفات. وقد ظهر هذا فى زيارات مختلفة، مثلاً، فى طوكيو واليابان فى مايو 2019.

هناك تصور، فى ذهن عدد من المراقبين الأوروبيين، ان التناقض بين الرئيس ومستشاره للأمن القومى، تقسيم ادوار، يترك للرئيس ترامپ حرية حركة، أحيانا دافعاً الصورة الأمريكية للعمل الخارجى عدواً الى الأمام، وأحياناً ماسكاً بزمام هذا العمل من اندفاع يريده بعض مستشاريه، او تدفع اليه مراكز قوى مختلفة (بالذات فى دوائر الحزب الجمهورى). وذلك التصور قد يكون مصيباً فى بعض الأحيان. لكن يصعُب أن يكون معبراً عن الوضع فى كل الأحوال. والغالب، انه، بغض النظر عن شخصية ترامپ المتغيرة الأحوال، فإن التناقض موجود.

وذلك يدفع الى سؤال: عن درجة التأثير التى تمارسها مؤسسات الأمن القومى الأمريكى – وهى متعددة: من البنتاجون، إلى الخارجية، الى أجهزة المخابرات المختلفة للدولة الأمريكية، الى وزارة الخزينة، الى عدد من مراكز الفكر التابعة، وإن بشكل غير مباشر، للحزبين الكبيرين هناك، الجمهورى والديمقراطى – على القرار الاستراتيجى للدولة الآن، فى ظل تناقضات بين الرئيس والمستشار الذى يُنسق وصول آراء هذه المؤسسات الى الرئيس.

الحاصل هنا، ان هناك عدد من تلك المؤسسات ما زالت، بعد ثلاث سنوات تقريباً من بداية عهد الرئيس ترامپ، تعمل بلا قيادة حاصلة على تفويض برلمانى (من الكونجرس)، وذلك شرط دستورى أمريكى فى عدد من المناصب الهامة. هناك أيضاً تقارير، صادرة عن مصادر محترمة، تُظهر تراجعات كبيرة فى أداء بعض المؤسسات الحكومية الأمريكية الداخلة فى صنع قرارت العمل الخارجى للدولة. كما ان إغلاق عدد من هيئات الحكومة الأمريكية لأسابيع فى بداية 2019، نتيجة لعدم إقرار الكونجرس مواد ميزانية، أظهر أن الاختلافات الايديولوچية بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى واصلة الى إحداث عجز فى العمل الحكومى للدولة الأمريكية…فى خِضم ذلك الوضع، فإن التناقضات بين الرئيس ومستشاره للأمن القومى (مع ما يمثله ذلك المنصب) غالبا تأخذ آليات صنع القرار الاستراتيجى الأمريكى الى تعقيدات لم تعرفها امريكا منذ عقود (منذ أيام عزل الرئيس نيكسون فى منتصف السبعينيات.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »