رجائى عطية

شاعر النيل حافظ إبراهيم

شارك الخبر مع أصدقائك

فى تقدير عباس العقاد (1)

من المعروف أن الأستاذ العقاد كان إلى جوار موهبته الشعرية التى تجلت فى دواوينه التى أربت على العشرة، صاحب اهتمام بالشعر ونقده، فيم عرف بمدرسة الديوان التى نهضت على الأضلاع الثلاثة: عباس العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازنى، وعبد الرحمن شكرى، نهضوا فيها بحركة التجديد فى الشعر، وأصدر العقاد والمازنى الجزءين الأول والثانى من كتاب «الديوان» سنة 1921، ولم تصدر باقى أجزائه العشرة التى أزمع الثلاثة إصدارها.

وكانت شدة النقد، وعنفه أحيانًا، قاسمًا مشتركًا فيما تناوله العقاد والمازنى من نقد لحركة الشعر السائدة، ودارت الخطوط العريضة للنقد حول انعدام «وحدة القصيدة»، وحول معانى وأغراض الشعر، ووحدة الغرض أو ما يسمى «الوحدة العضوية» و«الولوع بالأعراض دون الجوهر»، إلى غير ذلك، واختص الأستاذ العقاد بالكتابة عن أحمد شوقى، وكتب المازنى عن المنفلوطى ومصطفى صادق الرافعى، ولم يضمن المازنى أيًّا من الجزءين ما كان قد كتبه سلفًا عن حافظ إبراهيم، وقد اتسمت كتابات العقاد والمازنى فى الكتاب بالقسوة، واشتد فيها العقاد على «شوقى»، وهى شدة ترجع إلى ما قبل كتاب «الديوان»، بل ترجع أصولها إلى مجموعة « خلاصة اليومية » الصادرة سنة 1912، آخذًا على «شوقى» رثاءه لبطرس باشا غالى مما اعتبره تزلفًا للعظماء، ومداهنةً لهم، وتابع العقاد هذه القسوة فى هجومه على شعر « شوقى » وعلى افتقاده لوحدة القصيدة الوحدة العضوية، وافتقاد شعره لما يعبر عن شخصيته ومزاجه الخاص ونظرته للحياة وفلسفته فى شعره، فضلاً عن اتهامه بالتقليد، ونقده الشديد لمسرحية «قمبيز»، إلى غير ذلك مما قد نرجع إليه فى مقام آخر.
شاعر النيل.

لفتنى أنه على الحملة الشديدة التى حملها الأستاذ العقاد على أحمد شوقى، سواء فى كتاب «الديوان» فى الأدب والنقد، أو فى «رواية قمبيز فى الميزان»، أم فى مقالات متفرقة أنه لم يوجه نقدًا لشاعر النيل حافظ إبراهيم مع أنه من جيل شوقى وقرينه، وإنما على العكس يحمل تقديرًا خاصًا له، وأنه بدأ فى الكتابة عنه وعن شعره من سنة 1908، والعقاد لا يزال دون العشرين من عمره، فكتب عن شعر حافظ ثلاث مقالات لجريدة الدستور فى 2 و7 و10/11/1908، وعاد وهو يدنو من العشرين للكتابة عن شعره فى جريدة الدستور أيضًا بعددى 4 و12 /3/1909، ثم عاد بنفس العام ليكتب للدستور فى 13/11/1909 عن قصيدة أخرى لحافظ إبراهيم، وأنه حين ألف سنة 1937 كتابه «شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى»، بدأ بالكتابة عن «حافظ إبراهيم»، وزاوج بينه وبين «محمود سامى البارودى» شاعر السيف والقلم وإمام المدرسة الحديثة فى الشعر، الذى رآه صاحب الفضل الأول فى تجديد أسلوب الشعر وإنقاذه من الصناعة والتكلف العقيم، ورده إلى صدق الفطرة وسلامة التعبير، فكان الأمام المتقدم ذا الأثر العظيم فيمن لحق به من الشعراء المحدثين ولاسيما «حافظ إبراهيم».

وأحصى الأستاذ العقاد بعض ما بين الشاعرين من سمات مشتركة، جمعت بينهما بجامعة الألفة والمودة، فحافظ قد اختار «حياة الجندية» كما إختارها البارودى من قبله، وحافظ كان مفطورًا كصاحبه على إيثار الجزالة والإعجاب بالصياغة والفحولة فى العبارة، وكان حافظ كالبارودى من حزب «التمرد والثورة» لا من حزب التسليم والإستكانة. كما كان الشيخ حسين المرصفى صاحب السبق والفضل فى النقد وتحديث الشعر كان أستاذ الشاعرين وقدوتهما فى الرأى والنقد وتذوق الكلام، ومجمل رأى الشيخ المرصفى، أن البارودى إمام المدرسة الشعرية التى خلفت مدرسة العروضيين المقلدين، بمعنى السبق والابتداء القوى الفائق على النمط الحديث.

ومع أن حافظ إبراهيم كان ضمن كوكبة الشعراء طليعة المدرسة الجديدة التى خلفت مدرسة العروضيين، مع شوقى وإسماعيل صبرى وحفنى ناصف، إلاَّ أن هؤلاء عاشوا فى «حيز الوظائف» ولم يعيشوا فى غمرة الأمة بين دوافع المد والجزر وعوامل الشدة والرخاء، وهنا يبدو الفارق بينهم وبين حافظ الذى عاش هذه الغمرات.

ويرى الأستاذ العقاد أن حافظ إبراهيم حلقة متوسطة بين من سبقوه وبين من جاءوا بعده فى جميع درجات التطور والانتقال.
فهو «أولا» وسط بين الشاعر كما كانوا يفهمونه فى القرون الوسطى، والشاعر كما صاروا يفهمونه فى القرن العشرين. وجمع بين الإلقاء والمطبعة، وتميز بصوته وأدائه فى الإلقاء ولياقته فى الإيماء وجذب الأسماع، حتى كان العقاد يداعبه بأنه أحرى به أن يملأ قوالب الحاكى منه بطبع صفحات الدواوين، فيداعبه شاعر النيل بدوره ويقول له : وتكون أنت «عقادى» على تخت الغناء!

وهو «ثانيا» وسط بين شاعر الحرية القومية فيما تناوله وصاغه من قضايا عامة، وشاعر الحرية الشخصية فى شكواه وهزله وخمرياته ومساجلاته وفيما يبدو خلال قصائده الاجتماعية من ميول نفسه وخلجات طبعه، وليس له نظير فى أبناء جيله فى الجمع بين هاتين الخصلتين.

وهو «ثالثًا» وسط بين المطلعين على الآداب العربية وحدها، والمتوسعين فى قراءة الآداب الأوروبية.
وهو «رابعًا» وسط بين مبالغة الأقدمين وقصد المحدثين ولا سيما فى المديح، فحافظ يمثل أمته فى مديحه كما يمثلها فى قصائده الاجتماعية، وهو فى هذا يدل على مراحل الأدب والحرية القومية فى الأمة المصرية مرحلةً بعد مرحلة، وبهذه الخصلة كان حافظ منفردًا بين شعراء جيله قليل النظير.

تلك فى رأى العقاد هى مكانته فى الأدب المصرى الحديث، وخلاصتها أنه كان حلقة وسطى بين من تقدموه ومن تلوه، وهو رجل يدل بشعره على زمنه وعلى نفسه، وهو فصل فيما يقول العقاد من الفصول المبينة، له مكانه البارز فى كتاب «الأدب المصرى الحديث».

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »