رجائى عطية

شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة (8)

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم رجائي عطية

يبين مما تقدم، أن الشاعر عمر بن أبى ربيعة، لم يكن معنيًّا بامرأة واحدة شأن العاشق، ولا كان معنيًّا بالنساء شأن المغرم بالنساء عامة، وإنما كان معنيًّا بالمرأة من بنات طبقة خاصة هى الطبقة التى ينتمى إليها.

وليس فى شعره كله، فيما يقول الأستاذ العقاد، بيت يدل على سطوة رجل يروع الأنثى، أو يدل على سحر جمال يأخذ المرأة لم يسبقه حديث بشأنها، وإنما يدل شعره كله على لباقة المتحدث وطرافة المسامر المعروف بوسامته وردائه:

قالت أبو الخطاب أعرف زيَّه وركوبه لا شك غير مراء!

وكل ما فى شعره من معرفة بطبع المرأة مقصور على الجانب الذى يتناوله المناوش اللبق، ليثير اهتمامها تارة بحب الثناء، وتارة بالإعراض او تحريك الغيرة أو الفضول..

يقول فى داليته المشهورة:

ولقد قالت لجارات لها ذات يوم وتعرت تبترد

أكما ينعتنى تبصرننى عمركن الله أم لا يقتصد

فتضاحكن وقد قلن لها حسنٌ فى كل عين من تود

حسدًا حُملنه من أجلها وقديمًا كان فى الناس الحسد

وهذا القول فيما يبدو رواية صادقة أو تخيل صحيح لمثل هذه الواقعة، ويماثله قوله وقد أُبلغت صاحبته أنه تزوج:

خبروها بأنى قد تزوجـ ت فظلت تكاتم الغيظ سرًا

ثم قالت لأختها ولأخرى جزعًا، ليته تزوج عشرًا

وأشارت إلى نساء لديها لا ترى دونهن للسر سترًا

ما لقلبى كأنه ليس منى وعظامى إخال فيهن فترا

وهذه الأبيات رواية صادقة لما يمكن أن تقوله المرأة لصويحباتها وجاراتها إذا ما بلغها أن صاحبها تزوج.

وهكذا كان سائر أقواله فى هذه الأغراض.

غير أنها جميعًا فيما يرى الأستاذ العقاد لا تنبئ بشىء يخفى على ظرفاء المجالس، ولا تنطوى على شىء من نقائض المرأة.

وفرق بعيد بين هذ وبين من يعلم طبع المرأة ويخالفها فيه، ويستجيش ضمائرها لأن هذه الضمائر تجاوبه مجاوبة المرأة للرجل، فيعرف من جوابها كيف تضطرب نفسها وخواطرها.

والمرأة تألف أحاديث هؤلاء اللاهين الغزلين، وتفضلها على أحاديثها مع بنات جنسها لأنها تستحضر فى وقت واحد شعور المماثلة وشعور المناقضة.

ويبدى الأستاذ العقاد أن صدق الرواية الذى يعنيه، هو صدق الرواية الفنية دون أن يجاوزه إلى البحث فى صدق الرواية الخبرية.

فحسب الشاعر فيما يرى أنه تخيل فأصاب التخيل، وأنه عاش زمنًا على النحو الذى وصفه ببعض قصائده.

وقد سره أحيانًا أن يفهم الناس أنه يقول ما لا يفعل، كقول القرآن الكريم على الشعراء عامة، إنهم يقولون ما لا يفعلون. ففى سورة الشعراء: «وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» (الشعراء 224 226).

قيل فى سيرته فيما يروى الأستاذ العقاد، إن سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، كانت جالسة فى المسجد الحرام فرأت عمر يطوف بالبيت فأرسلت إليه فقالت حين جاءها: مالى أراك يا ابن أبى ربيعة سادرًا فى حرم الله؟ ويحك أما تخاف الله؟ ويحك إلى متى هذا السفه؟… فقال: أى هذه! دعى عنك هذا من القول، أما سمعت ما قلت فيك؟ قالت: لا. فأنشدها البائية التى يقول فيها:

ردع الفؤاد بذكرة الأطراب وصبا إليك ولات حين تصاب

إن تبذلى لى نائلاً يشفى به سقم الفؤاد فقد أطلت عذابى

وعصيت فيك أقاربى فتقطعت بينى وبينهم عُرى الأسباب

وتركتى لا بالوصال ممتعًا يومًا ولا أسعفتنى بثواب

فقعدت كالمهريق فضلة مائه فى حر هاجره للمع سراب

يشفى به منه الصدى فأماته طلب السراب ولات حين طلاب

قالت سعيدة والدموع ذوارف منها على الخدين والجلباب

ليت المغيرىّ الذى لم نجزه فما أطال تصيدى وطلابى

كانت ترد لنا المنى أيامنا إذ لا نلام على هوى وتصاب

خُبّرت ما قالت فبت كأنما رمى الحشا بنوافذ النُّشّاب

أسعيد ما ماء الفرات وطيبه منا على ظمأ وحب شراب

بألذ منك وإن نأيت وقلما ترعى النساء أمانة الغياب

فلما فرغ من إنشاده قالت له: أخزاك الله يا فاسق، ما علم الله أنى قلت مما قلت حرفًا، ولكنك إنسان بهوت!

فهذه القصة الطويلة العريضة، تُقاس بها مثيلاتها، ولعل ادعاءه فى غير هذه القصة أقرب إلى البهتان وأدنى إلى التخيل، فهو كان يضع الغزل والشكوى على لسان سيدة حصان تخاطبه بالوعظ والنصيحة، فما أحراه أن يخلق الغزل على من يُظن بهن الخوض فيه والحنين إليه.

[email protected]

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك