رجائى عطية

شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم رجائي عطية

عصر ابن أبي ربيعة

من الملاحظات التى تستوقف القارئ، وقد يستغربها، أن ديوان الشاعر ابن أبى بيعة، البالغ بضعة آلاف بيت من الشعر، كلها فى الغزل إلاَّ القليل، وكل غزلها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فى الحوار والرسائل التى تدور بينه وبين حسان عصره وظريفاته.

واستغراب أن ينصرف شاعر فى جميع شعره إلى هذا الغرض دون غيره ـ استغراب معقول، يرد على كل خاطر للوهلة الأولى.

ولكن الاستغراب لا يلبث أن يزول إذا تجاوزنا الديوان إلى العصر الذى نظم فيه، فقد كان العصر الذى عاش فيه الشاعر عصرًا غزليًّا فى جميع أطرافه، يشغله الغزل ولا يزال شاغله الأول فوق كل شاغل سواه، وربما عيب على الرجل أن يتجافى عنه ويتوقر منه.

يلاحظ الأستاذ العقاد أنه ما من عالم ولا فقيه ولا أمير ولا سرى ـ بَلَغَتْنَا أخباره، إلاَّ وكان له نصيب موفور من رواية الغزل والاستماع إليه.

كان ابن عباس رضى الله عنه ــ فيما يروى الأستاذ العقاد ــ كان فى المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وجماعة من الخوارج يسألونه ويستفتونه، إذ أقبل عمر بن أبى ربيعة فى ثوبين مصبوغين مورّدين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس يستنشده من شعره، فأنشده الرائية التى يقول فى مطلعها:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجّر

إلى أن أتمها.

فالتفت إليه نافع بن الأزرق قائلاً: الله يا ابن عباس ! إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصى البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترفٌ فينشدك:

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيخزى وأما بالعشى فيخسر

فبادره ابن عباس قائلاً: ليس هكذا قال. إنما قال:

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشى فيخصر ( يبرد )

وعجب نافع من حفظ ابن عباس للبيت، فأعاد عليه القصيدة كما جاء فى بعض الروايات من مطلعها إلى ختامها، وقال لمن لامه فى حفظها: إنا نستجيدها. ثم أقبل على «ابن أبى ربيعة» يستزيده فأنشده:

تشطّ غدًا دار جيراننا

وسكت، فقال ابن عباس:

وللدار بعد غد أبعد

فقال له عمر: كذلك قلت ــ أصلحك الله ــ أسمعته؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغى.

وكان بعد ذلك كثيرًا ما يسأل: هل أحدث هذا المغيرىّ شيئًا بعدنا؟

* * *

وغاية الأستاذ العقاد من مثل هذه الروايات، أن يثبت أن العصر كان بالفعل عصر غزل، ومما يرويه فى هذا السبيل، وما روى من أن نوفل بن مساحق دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بسعيد بن المسيب فى مجلسه وحوله أصحابه، فسلم عليه فرد السلام، ثم سأله: يا أبا سعيد ! من أشعر؟ أصاحبنا أم صاحبكم؟ يريد عبد الله بن قيس وعمر بن أبى ربيعة، فقال نوفل: حين يقولان ماذا يا أبا محمد؟ فأنشده أبيات عمر:

خليلىّ ما بال المطايا كأنما نراها على الأدبار بالقوم تنكص

وقد قطعت أعناقهن صبابة فأنفسنا مما يلاقين شخص

وقد أتعب الحادى سراهن وانتحى بهن فما يألو عجول مقلص

يزدن بنا قربًا فيزداد شوقنا إذا زاد طول العهد والبعد ينقص

ثم قال: وحين يقول صاحبكم ما تشاء!

فأجابه نوفل: صاحبكم أشعر فى الغزل وصاحبنا أكثر فى أفانين شعر.

قال سعيد: صدقت. ثم انقضى ما بينهما من ذكر الشعر فجعل سعيد يستغفر الله ويعقد بيده حتى وَفَّىَ مائة.

فأتجه سائل إلى نوفل يسأله: أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر فى مسجد رسول الله؟ قال نوفل: كلا ! هو كثير الإنشاد والاستنشاد للشعر فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.

وكان شأن الأمر والرؤساء فى هذا ـ فيما يضيف ـ كشأن العلماء والفقهاء.

ويروى من ذلك ما تحدث به الشعبى حين دخل المسجد فإذا مصعب بن الزبير على سرير والناس عنده، فسلم عليه وهم بالانصراف، إلاَّ أن مصعبًا استدناه ودعاه أن يتبعه متى قام، فتبعه. ثم دعاه إلى الدخول معه فدخل، وإذا بمصعب يرفع ستارًا وإذا بزوجته عائشة بنت طلحة، ولم يكن هناك من هى أجمل منها. وسأله مصعب هل يعرفها، فقال: لا ولكن هذه ليلى التى قال فيها الشاعر:

وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربى إلى اليوم أخفى حبها وأداجن

وأحمل فى ليلى لقوم ضغينة وتُحمل فى ليلى علىّ الضغائن

ثم قال مصعب: إذا شئت فقم.

فلما كان العشى ولاقاه الشعبى فى المسجد، استدناه مصعب وسأله هل رأى مثلها قط؟ قال: لا والله ! فسأله: أفتدرى لم أدخلناك؟ قال: لا ! قال مصعب: لتحدث بما رأيت.

والشعبى صاحب القصة من أكبر الرواة وأوثقهم فى زمانه.

ومصعب بن الزبير هو الأمير الذى نازع ونوزع فى الولاية وعاش على خطر من القتل حتى قتل، وهو مع ذلك مشغول بالغزل، وأن يصبح هو وزوجته الجميلة عائشة بنت طلحة حديثًا غزليًا للمتحدثين!

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »