رجائى عطية

شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة (16)

شارك الخبر مع أصدقائك

نوادره وأخباره

ليست هذه النوادر والأخبار للتسلية، وإنما هدفها التعرف على سمة أو سمات الشاعر، ولذلك ليس من الضرورى أن تكون النوادر والأخبار من الذى يراد لذاته ويحسن السكوت عليه إذا رويت كل نادرة على حدة، أو من نوادر الفكاهة أو التى تشتمل على خبر من أخبار المعرفة العامة، وإنما يكفى أن تكون مشتملة على عادة من عادات المترجم له أو سمة من سماته.

● ● ●

كان عمر بن أبى ربيعة ـ فيما يروى الأستاذ العقاد ــ يقدُم فيعتمر في ذى القعدة ويخرج من إحرامه فيلبس الحلل والوشْىّ ويركب النجائب المخضوبة بالحناء عليها الطنافس والديباج ويسبل ملته ويتصدى للعراقيات والمدنيات والشاميات كل منهن فى الطريق التى يسلكنها، فخرج يومًا للعراقيات فإذا قبة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر تركب معها جارية سوداء كالسبجة، فقال للسوداء: من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟ فقالت: لقد أطال الله تعبك إن كنت تسأل هذا العالم: من هم؟ ومن أين هم؟ قال: فأخبرينى عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: نحن من أهل العراق، فأما الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورجعنا إلى بلدنا، فضحك. فلما نظرت إلى سواد ثنيتيه قالت: قد عرفناك ! عمر بن أبي ربيعة . قال: وبم عرفتنى؟ قالت: بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش، فلم يزل عمر بها حتى تزوجها وولدت له.

ولسواد ثنيتيه قصة مع «الثريا» إحدى صويحباته وأجملهن فيما قيل، وخلاصتها أنه زارها يومًا ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره فى الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت، فقال لها: إنه ليس ممن أحتشم منه ولا أخفى عنه شيئًا. واستلقى فضحك، وكان النساء إذ ذاك يتختمن في أصابعهن العشر، فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها فأصابت الخواتيم ثنيتيه العليين وكادت أن تسقطهما، فعالجهما في البصرة فسكنتا واسودتا، وجعل خصومه يعيرونه بهما كما قال الحزين الكناني:

ما بال سنيكِ أم بال كسرهما

أهكذا كُسِرَا في غير ما باس

أم نفحة من فتاة كنت تألفها

أم نالها وسط شرب صدمة الكأس

وكان جالسًا بمنى وغلمانه حوله فأقبلت امرأة برزة عليها أثر النعمة ثم سلّمت وسألت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: أنا هو. فما حاجتك؟ قالت: حياك الله وقرّبك، هل لك في محادثة أحسن الناس وجهًا وأتمهم خلقًا وأكملهم أدبًا وأشرفهم حسبًا؟ قال: أحبَّ إلىّ من ذلك. فعادت تقول: على شرط ـ تمكننى من عينيك فأشدهما وأقودك حتى تتوسط الموضع الذى أريد، ثم أفعل ذلك عند إخراجك حتى أنتهى بك إلى مضربك هذا. فوافقها ومضى معها حتى كشفت عن وجهه فإذا بامرأة على كرسى لم ير مثلها قط جمالا ً وكمالا، فسلم وجلس، وسألته: أأنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: أنا عمر. قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قال: وما ذاك جعلنى الله فداءك؟ قالت: ألست صاحب هذه الأبيات؟ قالت:

وعيش أخى ونعمة والدى

لأنبهن الحى إن لم تخرج

فخرجت خوف يمينها فتبسمت

فعلمت أن يمينها لم تحرج

فتناولت رأى لتعرف مسه

بمخضب الأطراف غير مشنّج

فلثمت فاها آخذًا بقرونها

شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

فقم فاخرج عنى، وقامت من مجلسها فجاءت المرأة فشدت عينيه ومضت به حتى انتهى إلى مضربه، فحزن واكتأب وبات ليله يفكر فيما رأى وسمع، فلما أصبح إذا المرأة تعود إليه وتسأله: هل لك فى العود؟ فيذهب معها كما ذهب في المرة الأولى، ويلقى فتاة الأمس فتبادره قائلة: إيه يا فضاح الحرائر؟ فيسأل: بماذا؟ جعلني الله فداءك ؛ فتقول بأبياتك هذه:

وناهدة الثديين قلت لها: اتكى

على الرمل من جبّانة لم توَسد

فقالت: على اسم الله أمرك طاعة

وإن كنت قد كلفت ما لم أعود

فلما دنا الإصباح قالت: فضحتنى

فقم غير مطرود، وإن شئت فازدد

قم فاخرج عنى !

فقام فخرج ثم ردته وقالت له: لولا وشك الرحيل وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك لأقصيتك، هات الآن كلمنى وحدثنى وأنشدنى. قال عمر وهو يقص هذه القصة: «فكلمت آدب الناس وأعلمهم بكل شىء، ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لى البيت، وأخذت أنظر فإذا بآنية فيها طيب، فأدخلت يدى فيه وخبأتها فى كمى، وجاءت تلك العجوز فشدت عينى ونهضت بى تقودنى حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدى فضربت بها عليه، ثم صرت إلى مضربى فدعوت غلمانى ووعدتهم أيهم يدل على باب مضرب عليه طيب، كأنه أثر كف فهو حر وله خمسمائة درهم. فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم ! فنهضت معه فإذا أنا بالكف طرية وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان قد أخذت في أهبة الرحيل، فلما نفرت نفرت معها فبصرت فى طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك فقيل لها: هذا عمر بن أبى ربيعة. فتخوفت وقالت للعجوز التى كانت ترسلها إلىّ قولى له. نشدتك الله والرحم ما شأنك؟ وما الذى تريد؟ انصرف ولا تفضحنى وتشيط بدمك. فقال: فأبلغتنى العجوز رسالتها فقلت: لست بمنصرف أو توجه إلىَّ بقميصها الذى يلى جسدها. ففعلت ووجهت إلىّ بقميص من ثيابها، فزادنى ذلك شغفًا ولم أتبعهم ولا أخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرفت. وفى ذلك أقول:

ضاق الغداة بحاجتى صبرى

ويئست بعد تقارب الأمر

إلى آخر الأبيات .

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك