رجائى عطية

شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة (12)

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم : رجائى عطية

مقارنة
المقارنة التى يقصد إليها الأستاذ العقاد، هى بين الموقف المتشدد الذى اتخذ من غزل بشار بن برد، على خلاف ما كان الموقف بالنسبة للغزليين: كثير وجميل وعروة بن حزام وقيس بن ذريح وشعراء تلك الطبقة.

وينقل الأستاذ العقاد سؤالاً توجه به «أبو غسان دماء»، تلميذ أبى عبيدة وهو معمر بن المثنى من علماء اللغة والأدب فى القرن الثالث الهجرى، وهو أول من ألف فى البيان، وله فيه كتاب مجاز القرآن، وقيل إن مؤلفاته بلغت المائتين.

قال أبو غسان: «سألت أبا عبيدة عن السبب الذى من أجله نهى المهدى بشارًا عن ذكر النساء، قال: كان أول ذلك استهتار نساء البصرة وشبانها بشعره حتى قال سوّار بن عبد الله الأكبر ومالك ابن دينار: ما شىء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى! وما زالا يعظانه»

«وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلما كثر ذلك وانتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهدى، وأنشد المهدى ما مدحه به نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب، وكان المهدى من أشد الناس غيرة».

ويروى أبو غسان أنه عاد فسأل أبا عبيدة، أنه لا يحسب أن غزليات بشار أبلغ فى هذه المعانى من شعر كثير وجميل بثينة وعروة وقيس وأترابهم من تلك الطبقة.
فكان جواب أبى عبيدة أن من يسمع أشعار هؤلاء الذين يذكرهم لا يعرف المراد منها.
أما بشار ؛ فكان يقارب النساء حتى لا يخفى عليهن ما يقول وما يريد، وأنه إذا كان هذا يمكن أن يؤثر فى قلب المحصنة، فكيف بالمرأة أو الفتاة المحبة للغزل ولا هم لها إلاَّ الرجال. ثم أنشد قصيدته:

قد لامنى فى خليلتـى عمـر
واللوم فى غير كنهه ضجر
إلى قوله:
حسبى وحسب الذى كلفت
به منى ومنه الحديث والنظر
ثم قوله على لسان صاحبته:
انهض فما أنت كالذى زعموا
أنت وربى مغازل أشــر
وقد غابت اليوم عنك حاضنتى
والله لى منك فيك ينتصـر
…………………..
أقسم بالله لا نجـوتَ بهـا
فاذهب فأنت المساور الظفر
كيف بأمى إذا رأت شفتى
أم كيف إن شاع منك ذا الخبر
إلى آخر القصيدة
ثم قال أبو عبيدة: «بمثل هذا الشعر تميل القلوب ويلين الصعب»

■ ■ ■
ويتجلى فى هذه المساجلة ؛ مجال واسع فيما يرى الأستاذ العقاد للبحث فى طريقتى الغزلين العشاق من أمثال كثير وجميل وعروة وقيس وإخوان تلك الطبقة.
فالمساجلة تبين مبلغ الحاجة إلى التفرقة بين هاتين الطريقتين أو المدرستين ؛ لالتباس الأمر بينهما حتى على الفحول من الرواة وعلماء الأدب فى العصر العباسى، كأبى عبيدة وتلاميذه.

ويرى الأستاذ العقاد أن كليهما: أبا غسان وأبا عبيدة، قد أخطأ التقدير فيما حسبه. فأبو غسان حسب أن كل الشعر الذى يُذكر فيه النساء كله غزل، لا فرق بين من ذكرهم وبين بشار، وحذا أبو عبيدة حذوه إلاَّ فيما ارتآه خطرًا فى شعر بشار بالنظر لفهم النساء لشعره، وقلة فهمهن لأشعار أمثال كثير وعروة وقيس وجميل.
والواقع غير ذلك فيما يرى الأستاذ العقاد.

وهو يرى أن الخليفة «المهدى» كان أفطن إلى الفرق بين الطريقتين، لأنه اعتمد على حسه وعلى المشاهدة، ولم يعتمد على العناوين الأدبية التى يعرفها الرواة وعلماء اللغة الذى يعتبرون الغزل كلامًا يتساوى فيه كل شعر يرد فيه التشبيب ووصف الحسان.

فالمهدى نهى بشارًا عن غزله ولم ينه أحدًا عن رواية قصائد العشاق من الشعراء المشار إليهم. لأنه أحس الفرق بين الشعرين وأدرك على البديهة التى لا تحاول التفسير والتعليل أن هذا غير ذاك.

ولا يرجع هذا الفرق إلى أن شعر بشار أسهل لغة أو أسلوب من شعر هؤلاء، ولا لأن بشار يقارب المرأة وهم لا يقاربونها، فقد تكون قصائد كثير وجميل وأمثالهما أسهل لغة وأسلوبًا من قصائد بشار على الإجمال، وقد يكون هؤلاء أقرب منه إلى طبيعة المرأة وهواها وأعرف بغضبها ورضاها.

وإنما الفرق بينهما فيما يرى الأستاذ العقاد أن شعر بشار هو شعر المتحدثين والمتحدثات فى مجالس اللهو والفراغ، فهو مادة الحديث فى تلك المجالس ومادة الحديث عنها، وهو وسيلة الإغراء بها ورسول الدعوة إليها، ومن هنا إغراؤه بالفساد ومحاكاة ما يتخيله ويرويه بين الظرفاء والظريفات.

«أما شعر كثير وأمثاله فهو كالرسالة الخاصة من رجل واحد إلى امرأة واحدة، وهو إن أغرى بشىء فلا يغرى المرأة بأن تذهب إلى ملاقاة الرجال الكثيرين والنساء الكثيرات، ولكنه يغريها بعلاقة قلبية كالعلاقة بين كثير وعزة، وجميل وبثينة، وعروة وعفراء، وقيس وليلى. وليس هذا ما يدفع العاشق أو العاشقة إلى مجالس الظرفاء والظريفات، بل لعله مما يدفع إلى العكوف والاعتزال».

«فالفرق هنا فرق بين طبيعتين متباينتين: طبيعة المحب وهو مخصص لا يعمم، وطبيعة اللاهى بمجالسة النساء ومحادثتهن وهو لا يتقيد بواحدة دون غيرها. ولا يبلغ من التعلق بها إلا أن يؤثرها على الأخريات بالمجالسة والمسامرة وتمثيل مساجلات الغرام».

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »