سنن الأسباب

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية
 
لفتتني قراءة في مقدمة فقه السيرة، للشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله، إلي قراءة أو رؤية بالغة الأهمية لصلاة الخوف التي سنها القرآن المجيد.. تستحضر معانٍ لافتة لعناية الإسلام باتخاذ الأسباب مهما كانت الصوارف أو المصاعب أو الأخطار..
 
يقول الحكيم الخبير، تعالت حكمته، إلي رسوله المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم: »وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَي لَمْ يصَلُّواْ فَلْيصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيمِيلُونَ عَلَيكُم مَّيلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًي مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَي أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا« (النساء 102)..
 
ومن يتأمل هذه الآية، يري كيف تنبه إلي وجوب الحذر والأخذ بالأسباب، حين تقوم موجباتها، حتي في الصلاة والعابدين بين يدي رب العزة.. فالآية ترتب صلاة الخوف للمصلين الذين تتهددهم أخطار، كيف يؤدون الصلاة آخذين بأسباب الحذر، تأمرهم أن تقوم طائفة منهم معها أسلحتها ليكونوا وراء الساجدين، ولتأتي طائفة أخري لم يصلوا فيصلوا مع الرسول عليه السلام، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم حتي لا يميل عليهم الأعداء ميلة واحدة مستغلين قيامهم بمناسك الصلاة.. فتأمّل كيف يكَلّف العابدون، وهم في صلاتهم بين يدي الله ـ بأشد الحذر والانتباه لما يتهددهم من خطر ؟ شاءت حكمة الله تعالي وعنايته أن تستحضر وجوب الأخذ بالأسباب مهما كانت الصوارف وحتي في العبادات.. فلم تعدهم الآية بملائكة تنزل لتحمي المصلين، وإنما أوكلت إليهم أن ينظموا أنفسهم ويتخذوا من الأسباب والاحتياطات والترتيبات في صلاتهم ما يؤمنهم من الخطر الذي يتهددهم.
 
ومن يتأمّل النواتج النهائية في معركة أُحُد التي شنها الكفار وطواغيت قريش علي المسلمين في المدينة المنورة، وألجأوهم إلي الخروج لمواجهتهم في أُحُد حتي لا يدَعوا لهم فرصة مداهمة الأسر والبيوت في المدينة.. من يتأمّل مسار هذه المعركة، وكيف دان النصر في بدايتها للمسلمين علي الكفار الذين كانوا أكثر عدداً وعدة، حين التزموا الأخذ بالأسباب، سيري أن الدائرة لم تدر عليهم في نهايتها إلاّ حينما تركوا الأسباب وغادروا قمة الجبل التي كانوا يسيطرون منها علي المعركة، فلم يكن البلاء الذي حلّ بالمسلمين، إلاّ إشارة جلّية لأثر ترك الأخذ بالأسباب!!
 
ومع أن القرآن الحكيم معجزة الإسلام إلي الدنيا في كل عصر، في بلاغته ورصفه وبيانه وجرسه ومعماره وهدايته وأحكامه، وصلاحيته لكل مكان وزمان، إلاّ أنه نوّه بالعقل وقام علي إيقاظ المواهب العليا في الإنسان، ودعوته إلي إعمال عقله، والتدبّر والتفكير، وجعل النبوّة المحمدية نبوّة هداية تخاطب العقل والوجدان والضمير، وليست نبوّة استطلاع وتنجيم وخوارق وأهوال، أو دعوة لترك اتخاذ الأسباب. بل تري أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ جاءته سمعة المعجزة (المادية) الخارقة يوم مات ابنه إبراهيم وكسفت الشمس وظن الناس أنها كسفت لموته، فأبي عليهم ذلك، وقال لهم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته .
 
وتروي الأخبار المأثورة كثيراً من المعجزات والخوارق التي صاحبت مولد محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وطفولته، ولكنه لم يذكر قط معجزة متصلة بشخصه، فكانت نبوّته هداية للعقل والضمير، لم تتوسل في هدايتها بالخوارق والقوارع الحسية، بل وعنيت بصرف الناس عن التعلق بها والتنبيه إلي احتمالات تعطيلها لملكة العقل في استقبال هداية الله.. فيقول عليه السلام للناس إنه ليس إلاّ بشراً رسولاً، ويتلو عليهم من قول ربه: »أَوْ يكُونَ لَكَ بَيتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَي فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيكَ حَتَّي تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً« (الإسراء 93).. علم ـ عليه الصلاة والسلام ـ علم الناس أن المعجزة لا تنفع من لا ينفعه عقله، ولا تقنع المكابر المبطل إذا أصر علي العناد واللجاجة في باطله.. لم تختلط هذه النبوّة الهادية، بسحر ولا بكهانة ولا بتنجيم.. بل يحرص حاملها علي نفي ذلك، ويدعو المؤمنين للأخذ بالأسباب وعدم إيكال الأمور للخوارق أو استطلاع الغيب، فيتلو عليهم من قول ربه: »وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لاَ يعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ« (الأنعام 59).. ويقول لهم من قول ربه سبحانه وتعالي له: »قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحَي إِلَي قُلْ هَلْ يسْتَوِي الأَعْمَي وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ« (الأنعام 50).
من يتأمّل الكون العظيم الذي أمر القرآن الحكيم بالتأمّل والتفكّرفي آياته، يلفته أن إرادة الله عزّ وجل قد شاءت أن تقيمه علي سنن الأسباب.. يراها المتأمّل حاضرة في كل ركن من أركان هذا الكون.. في الأرض التي تدور حول نفسها لتهب الليل والنهار، وفي الجاذبية المحسوبة بمقدار لتسير الأفلاك في مسارها بالسماء لا تتعداها.. في الشمس التي تهب النور والدفء والحياة، وفي دورة البخر الذي يتحول إلي غمام تهطل منه الأمطار لتجري بها الأنهار لتهييء سبل العيش للكائنات..

 
لم يقل الرسول ـ صلي الله عليه وسلم، ولا قال أحد من صحابته، أن السماء تسعي لهم من حيث يقعدون، أو تنشط لهم حيث يتكاسلون، ولم تكن خوارق العادات ونواقض الأسباب أساساً ولا طلاءً في بناء هذه الأمّة المحمدية، فلم ينخرم للنبي عليه السلام وصحابته قانون من قوانين الأرض، ولم تلن لهم سنة من سنن الحياة، بل تعبوا وكدّوا أكثر مما تعب وكدّ من أخرجوهم وتحالفوا وتمالئوا عليهم، وحمل هؤلاء السابقون الأولون ـ حملوا المغارم الباهظة في سبيل ربهم، فمكن سبحانه وتعالي لهم بما قدموه واتخذوه من أسباب.
 

شارك الخبر مع أصدقائك