رجائى عطية

سعد زغلول نصار وفرسان التراب الأسمر (876)

شارك الخبر مع أصدقائك

رباعية مصرية، دراما تليفزيونية تاريخية وطنية إنسانية، تغطى فى ثلاثين حلقة ملحمة الكفاح الشعبى المصرى طوال قرن من الزمان، مـن قبل الحملـة الفرنسية (1798)، وحتى مـا بعـد الثورة العرابية (1881) عبر ولايات محمد على وعباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق.. أركان هـذا الكفاح رباعية « الشعب والأزهر والكنيسة والجيش »، فى مواجهة القصر والاحتلال، وميدانه الثورات الشعبية الأربع.. ثورة القاهرة الأولى (1798) التى سرعـان ما امتدت إلى باقى مصر ضد الاحتلال الفرنسى، ثم الثورة الثانية (1800) التى فى أعقابها قتل الجنرال كليبر، ثم الثورة الثالثة (1804/1805) على حكم المماليك ثم على الوالى التركى، ثم الثورة العرابية (1881) فى مواجهة السراى والحكم الاستبدادى الذى عصف بالبلاد.

نسج الأديب الإذاعى سعد زغلول نصار خيوط أحداث هذه الدراما الضخمة، من خلال أربعة أجيال لأسرة من الفلاحين المصريين. فى قرية من قرى الريف المصرى بين القاهرة والإسكندرية، يعيش الجد الأكبر الحاج إبراهيم « المكسيكى ».. شيخ طيب حكيم فى السبعين.. متين البنيان.. كان فى صباه جنديا فى جيش الفلاحين المصريين الذى أنشأه محمد على ـ بقيادات أجنبية ـ إبان ولايته (1805/1849).. عاصر الجد بعض الحروب، وسـرح أيام عبـاس (1848/1854)، ثم عاد إلى الصفوف أيام سعيد (1854/1863).

وحين عاد إلى قريته بعد تسريحه نهائيا فى بدايات حكم إسماعيل (1863) كان برتبة باشجاويش، ولبلائه فى حملة «المكسيك» (1861) أقطعوه أرضا فى قريته، وأصبح عمدتها.. لقبوه بالمكسيكى على سبيل المـزاح وإيماءً لما يحمله من حكايات عن المكسيك وعن الفلاح المكسيكى المقهور كما الفلاح المصرى !.. هو إلى جوار ذلك خزانة حية من الذكريات والتجارب وحكايات السابقين.. يرويهـا فى حواراته وهو يقابل الكاشف والجابى وضابط الحفظية فى البندر، وفى مسامراته، وفى ملاحاته مع صديقه الشيخ الجركسى الذى «راحت عليه».. لا يكفان معا عن حديث الذكريات.. يذكر الشيخ إبراهيم المكسيكى أباه وجده أيام أن هربوا إلى بولاق القاهرة من مظالم المماليك فى الصعيد.

يتذكر الشيخ إبراهيم كيف شارك مع البولاقية «العترة» فى الكفاح ضد الفرنسيين (نابليون وكليبر).. ويحفظ عن ظهر قلب بطولة ابن الأزهر الفتى سليمان الحلبى الذى قتل كليبر فأحرقوا يده اليمنى وأعدموه على الخازوق وعلقوا جثمانه مع ثلاثة من رءوس شيوخ الأزهـر نهبا للعقبان!.. يحلم كغيره من الفلاحين باليوم الذى يصير فيه المصرى سيدا على أرضه.. يرضى غروره فى اعتلاء الجراكسة المنفوخين على الفاضى، أن يزوج ابنه «محمدين» من «بمبة خاتـون» ابنة صديقـه الجركسى.. يشق محمدين طريقه فى رعاية «ولى النعم» الذى أرسله واعظاً لبعثة الطلبة المصريين فى أوروبا، ليعود سعيدا بالجسور المفتوحة بين زوجته وبعـض قريباتها وخديناتها مرضعات أو « كلفوات » قصور الخديو والأمراء.. لا يجد بأسا على خلاف أبيه الشيخ إبراهيم المكسيكى ـ من مصانعة طبقة الحكام والتقرب إلـى « إسماعيل المفتش » شقيق الخديـو إسماعيل فـى الرضاع.. لولا تدخل أبيه الشيخ إبراهيم لدى شريف باشا المصرى العواطف، لناله شر كبير فى مأساة إسماعيل المفتش.

محمدين ابن الجيل الثانى هو طريق النسيج الدرامى إلى حياة القصور والسلطة، وأيضا إلى ملاهى وحانات وبيوت القبارصة واليونانيين وحثالة الأجانب !.. من صلب محمدين يخرج الجيل الثالث: «سلامة» الذى ورث طباع وشيم جده، ودخل المدرسة الحربية وعاصر أحمد عرابى (1841/1911).. نموذج مختلف لمن لا يعجبهم الحال المايل للقصور الخديوية وملاهى الأجانب.. يعيش هموم الفلاح المصرى الذى أمضّته السخرة وأثخنه محمد على وسلالته بالضرائب والمكوس التى طفق محمد على يجمعها بعد أن نزع ملكية جميع الأراضى المصريـة وحولهـا إلـى ضيعـة شاسعة له يتصرف فيها لقـاء ما يجتبيه!.. يعيش «سلامـة» الأحداث التى عاشتها «جمعية حلوان» التى تعاطف معها كبقية العرابيين الذين جعل يختلف معهم إلى بيت عرابى.. وإلى بيت البارودى (1839/1904)، ومجالس الأفغانى (1838/1897) وتلميذه محمد عبده (1845/1905)، ولا تفوته ندوات وأشعار عبد الله النديم (1845 / 1896) لسان حال الثورة العرابية.. مـع اشتعال الحركة العرابية كان «سلامة» قد وصل إلـى رتبة «صاغ» مثل زميلـه «محمد عبيد».

كانت أمـه الجركسية « بمبة خاتون» قـد اضطرت على خـلاف رغبتها لمباركة زواجه من «أمينة» المصرية ابنة صديق جده إبراهيم إبان أن كان شاويشا طوبجيا فى طابية قايتباى بالإسكندرية.. ينخرط سلامة مع أمثاله من الشرفاء فى الحركـة العرابية، ويعيش أحداثهـا ومعاركهـا بالإسكندرية ثم كفر الدوار ثم القاهرة ثم التل الكبير.. يقاتل ضمن فرسان التـراب الأسمـر فى ملحمة التل الكبير.. فيها استشهد حيث يعثر جده إبراهيم على جثمانه على رمال الصحراء ـ بينما زوجته «أمينة» تضع بالإسكندرية مولودهما «مجاهد».. يتلقف الجد حفيده الأصغر برعايته وحدبه.. يكاد يرى فيه المستقبل الذى لم يحققه.. ما إن يشـب « مجاهد » عـن الطوق حتى يصحبه لرؤية الفتى مصطفى كامل (1874 / 1908) طالب الحقوق الذى طفق يلهب مشاعر المصريين ويؤجج الشعور الوطنى.. ما إن يراه الشيخ إبراهيم حتى ترتسم أمامه صورة حفيده الشهيد «الصاغ سلامة» فيبتسم فى المشهد الأخير ابتسامه عريضة وهو يحيط بذراعه القوية حفيده الأصغر «مجاهد»!

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »