رجائى عطية

سعد زغلول نصار والمسرح (875)

شارك الخبر مع أصدقائك

كان ســعد زغلول نصـــار دارسا جيدا للمسرح، تدل ترجماته مثلما تدل مســـــرحيتاه: «مين يقول كده» و«ولادك يامصر» ـ على إلمامه بفنون وقواعد التأليف المسرحى، وخطوطه الأساسية، وإدراكه لأهمية «الفكرة المسرحية» و«الشخصية المسرحية» و«العقدة المسرحية» .. هذه التعددية هى التى أضفت على فهمه وأدائه لرسالة الإذاعة أبعادا لافتة جعلته نموذجا للتمكن والاقتدار فى حمل وأداء رسالته الإعلامية بعامة، والإذاعية بخاصة.

كان سعد زغلول نصار محيراً فى قدرته الهائلة على المتابعة والتحصيل لكل ما يصدر بالعربية التى كان فيها أستاذا متمكنا مالكـاً لكل نواصيهـا، أو بالإنجليزية التى أتقنهـا وألم بأسرارها .. يتابع المسرح العالمى، والروايات العالمية، مثلما يتابع الكتب والمؤلفات الأدبية والثقافية والنقدية والسياسية .. تتعجب كيف كان يجد الوقت لتقديم كل هذه الترجمات إلى جوار الإبداعات والمؤلفات.. ترجمات «الحرية أو الموت» لكازانتزاكس، وروايتى «ابن البلد» و«الولد الأسود» لريتشارد رايت، ورواية «الأفق المفقود» Lost horizon لجيمس هيلتون، ورواية «العالم المفقود» للكاتب الإنجليزى السير آرثركونان دويل (1859 ـ 1930)، الذى جمع بين الأدب والخيال العلمى، وبين التخاطب الروحى، وأبدع شخصية شرلوك هولمز الذى نسج حوله والدكتور واطسون العديد من الروايات البوليسية، وكتب كثيرا مـن الروايات، من أشهرها «العالم المفقود» التى قررت فى آخر الخمسينيات على طلبة الثانوية العامة، وترجمها أيضا سعد زغلول نصار للهيئة العامة للتأليف والترجمة والنشر، ونشرتها فى «كتب ثقافية» فى نوفمبر1959 .. فضلا عن ترجمته أربعة كتب عن ثورة يوليو وجمال عبد الناصر.

القدرة على الترجمة، والمساهمة الملحوظة فيها، ليست بمعزل عن فهم رسالة الإذاعة واقتدار الأداء لها .. ليس فقط لأن الإذاعة متشعبة الخدمات تبعا للغات، بل تبعت القسم « العبرى » لإذاعة صوت العرب، وإنما أيضا لأن الترجمة فرع حقيقى على موسوعية واتساع معارف وثقافة الإذاعى التى هى مكمن قدرته على الاضطلاع برسالة الإذاعة فى تنوير العقـل وإثراء الثقافـة .. كان العقاد يقول إن هناك من يستغرق فى حياته « حيوات » رجال .. هذه الخاصية ندح الاطلاع على منابع الثقافة والأدب والمعرفة .. تتعدد روافدها حين تتعدد المعرفة باللغات .. قد يكفى الساعى فى باحة الثقافة معرفة اللغات الأخرى ليطل ويعـرف ما كتب وألف بلسانها، أما الترجمة فذلك كله وزيادة .. اختيار كتاب أجنبى لترجمته للعربية، ليس مهمة بسيطة، لأن المترجم مطالب مع نفسه وإزاء الآخرين أن يقدم أفضل ما تنتجه القرائح الأجنبية، وأن يتخير منها ما يعبر عن قضية من القضايا التى تهم الإنسانية بعامة، وتعنى الوطن بخاصة.. وهذا الاختيار لا يتأتى للمترجم إلاّ إذا كان صاحب ثقافة عريضة، ومتابعاً مستمراً لما تبثه المطابع العالمية كل يوم.. أما الترجمة ذاتها، فهى فى الواقع عملية إبداعية، لأن المترجم ليس مطالبا فقط بأن يكون على إلمام واسع باللغة التى يترجمهـا، أو باللغة العربية التى يترجـم إليهـا، وإنما يتعين أن يكون ملمًا بأسرار اللغتين والثقافتين، وأن يكون أديبا صاحب أسلوب يستطيع به فى الترجمة أن ينقل روح النص فى لغته الأصلية إلى ما يوافقه فى اللغة العربية.

لم تكن اختياراته للترجمة اختيارات عشوائية، أو معزولة عن الرسالة التى آمن بها وعمل لها، نراه إلى جوار الانحياز لقضايا التحرير والتحـرر الوطنى فـى ترجمـة «الحريـة و/ أو الموت»، نراه مهتمـاً بالقضايـا الإنسانية فـى ترجمة «الولد الأسود» و«ابن البلد» للكاتب الزنجى الأمريكى ريتشارد رايت، وكلاهما تومئ إلى تراكمات الظلم والتفرقة العنصرية فى معاملة الملونين بالولايات المتحدة .. ثم نرى هذا الخط حاضرا فى السلسلة بالغة العمق والعراضة التى كتبها عن أفريقيا ونشرتها تباعا المساء الأسبوعى فى أوائل الستينيات، وفى رحلته (1968) على الأقدام وبطريقة «الأوتوستوب» فى الربوع والسهول والمدن والأحراش الأفريقية التى تابعتها ونشرتها مجلة صباح الخير على مدى شهور، واستكملها بعد عودته فى عمل بالغ التميز لأدب الرحلات.

هـذه الأعمال التى خرجت من إشعاعات الإذاعة، عادت إليها .. إما معروضة فى برامج كقرأت لك الذى عاش عشرات السنين فى صوت العرب، أو فى أشكال درامية أو نصف درامية، صدًى لفهم عريض لرسالة الإذاعة ووفاء مقتدر بحقها.

www. ragai2009.com
rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »