زيارة في أعماق التاريخ وأصداء الحاضر

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـــائي عطية:
 
 علي غير بعيد من قلب القاهرة ، بأول طريق مصر الإسكندرية الصحراوي ، بالقرية الذكية، حيث أثبت المصري أنه قادر حين يريد علي صناعة المعجزات ، كان في انتظارنا مصري حتي النخاع ، عالم جليل من علمائها في هندسة الاتصالات ، وعليه تخرجت أجيال ، مثقف عاشق لمصر وللطبيعة والتراث ، تلاقت فيه صفات جعلت اختياره لتأسيس وإدارة مركز توثيق التراث المصري ـ اختيارًا عبقريا ، حيث تلاقي فيه العلم مع الثقافة ، والواقع المادي مع الخيال العلمي والمعنوي .. الدكتور فتحي صالح أستاذ هندسة الحاسبات بهندسة القاهرة .. لم يصرفه العلم عن عشق الطبيعة البكر ، فاعتاد أن يهاجر إلي الواحات فترة في كل عام ، وشدته أفلاك السماء فأقام لنفسه مرصدًا  خاصًا علي سطح مسكنه .. لم يدر بخلدي ولا بخلد أحد من الأدباء والمفكرين والفنانين الذين كنت برفقتهم ، أننا سنشهد ما شاهدناه لديه بمركز توثيق التراث .. لم تفارقنا الدهشة قط في أي ثانية من ثواني الساعات الخمس التي قضيناها نلهث فيها واجفين مبهورين  ونحن نتابع ما يعرض علينا في رحلة لآلاف السنين في بطن التاريخ دون أن نفارق المكان .. ذكرني الإبحار في الماضي بآثاره وتراثه وفنونه وتصانيفه ، بإبحار الروائي هـ . جـ . ويلز في المستقبل بروايتـه ” آلة الزمن ” .. إبحارنا في الماضي كان أروع ،لأنه رصد وتوثيق لواقع حقيقي تركه الأسلاف العظام عبر رحلات التاريخ في الطب والفلك والآثار والعمارة والفنون والتراث الشعبي .. هل يمكن لقابع في مكان وأمامه محض شاشة أن يقطع خمسة آلاف سنة يطوف فيها متعرفا تعرفا علميا موثقًا بكل أثر ومعمار وتراث وفن في بلاده  ؟! .. هذا ما رأيته ومن أنا معهم بمركز توثيق التراث غير مصدقين وقد تملكتنا دهشة أكبر من دهشة رفاعة الطهطاوي الأولي حين رأي باريس ـ بأننا نري هذا العمل العظيم الذي أقامه مصريون حتي النخاع في إخلاص وصمت ووقار ! .. أكثر من هذا مدعاة للدهشة والعجب أن يفوز هذا العمل الجليل المتميز في مايو 2004  بجائزة ستوكهولم العالمية الأولي في مسابقة : ” جائزة ستوكهولم  للتحدي  ”  ” Stockholm challenge Awarde   ” بينما هو غائب تمامًا عن خطابنا الإعلامي والثقافي والسياحي !!

 
      المركز خلايا نحل بشرية ، العاملون بها في شتي ربوع مصر ، أضعاف العاملين بمقر المركز الذي فيه  تصب جهود مخلصة دءوبة عارفة ، تجري علي محاور عدة  لجمع ثم تصنيف وتوثيق المادة مضفرة بقاعدة بيانات لتحقيق رسالة المركز في توثيق التراث الحضاري والطبيعي لإتاحة هذه الثروة القومية لمصر والعالم ، وإنعاش ذاكرة المصريين بماضيهم التليد وحاضرهم الغني بالكثير من إمكانات النجاح .. فكرة التوثيق تنهض علي استخدام تكنولوجيا المعلومات والكومبيوتر والإلكترونيات والمواقع وشبكة الإنترنت ، في توفير هذه المعلومات بالصورة ـ ومعها الصوت أحيانا ، وبالكتب والأقراص المدمجة ، لتكون ميسورة الاستدعاء بمحض فتح جهاز وتحريك مؤشر أو مفتاح .. فيلفي المتلقي نفسه في أحضان التاريخ وفي ربوع الزمان والمكان وهو في موضعه لم يفارق ، ينتقل ما بين عصور مصر الفرعونية والإغريقية والرومانية والقبطية والإسلامية ، سائحًا في ميادين عديدة يختار منها ما يشاء ..جائلاً  وفق مراده بين المادي الملموس  والمعنوي غير الملموس في تراث مصر الحضاري والطبيعي وأنشطته عبر نيف وخمسة آلاف عام .. في المواقع الأثرية ، والدرر المعمارية ، والفنون والفولكلور والجمال الطبيعي .. معبأة موثقة مبوبة مفهرسة ضمن عشرة برامج أنجـز المركز الكثير منها ويواصل الإتمام في دأب صموت لا يباهي ولا يستعرض .. هذه البرامج تشمل خريطة مصر الأثرية عبر العصور المختلفة ، وتراثها المعماري بقوالبه وأساليبه وأنماطه في كل عصر مشمولة بقاعدة بيانات وتوثيق فوتوغرافي شامل ، وتراث مصر الطبيعي في تجميع لافت لجميع المحميات الطبيعية القائمة أو المقترحة ، ولجميع بياناتها وموائلها ومكوناتها وجميع المعلومات التفصيلية عن الوجود النباتي والحيواني والتكوينات الجيولوجية والمعالم الحضارية المميزة .. وتوثيق التراث الشعبي أو الفولكلور متضمنًا تقاليد الحياة المصرية وطقوسها وأعرافها عبر الحضارات في مهمة موصولة تستجلي وتفتش في تقاليد الحياة اليومية عما يضع الصياغة التاريخية للتراث الشعبي المصري .. مستهدفة إنشاء مكتبة علمية شاملة  : مرئية ومسموعة ، تضم الأنشطة التحليلية والمجتمعية الوراثية ، والعادات الشائعة والأعياد والاحتفالات والحكايات والأساطير والمعتقدات والأضرحة والأولياء ، والتقاليد المعمارية والموسيقية والفنية والحرفية ، ولا تسقط من استقصائها الخرافات الشائعة ، ولا الأزياء والحلي والملابس  ، استهدافا لتجميع قاموس موسوعي  أو مكنز للفولكلور ـ صدر منه المجلد الأول .. أما توثيق التراث الموسيقي فهو يرنو لحفظ تراثنا الموسيقي من الضياع .. ينهض علي قاعدة بيانات مدققة ، محللة ومصنفة ، مطروحة في نظام معلومات علي ثلاثة مستويات، الأول يركز علي توثيق المعلومات الأولية للمؤلف الموسيقي والأشعار والمطربين والمقامات والأشكال والإيقاعات ، وينطـوي المستوي الثاني علي تحقيق قائمة كاملة من أعمال الفنانين مع الأشعار والنوت الموسيقية واللقطات المسموعة والمرئية ، أما المستـوي الثالث فيهدف بالوسائط  المتعددة ( الملتيميديا ) إلي إنتاج وتوثيق وسائط ميسرة : مسموعة / مرئية تنبني علي البيانات المجمعة والتحليل الموسيقي .. علي ذات هذا النمط الرائع في التجميع والتحليل والتصنيف والتوثيق ، جري ويجري برمجة ذاكرة مصر الفوتوغرافية ، وبرنامج التراث العلمي الإسلامي للمخطوطات الذي يهدف إلي توفير مكتبـة إلكترونيـة موسوعية للعلوم والرياضيات وإنتاج الحضارة الإسلامية العربية . أما موقع  ” مصر الخالدة  ”  علي الإنترنت  ومفتاحه  WWW. Eternal egypt . Org ـ فهو صورة فريدة ، جميلة ومشرقة ، تمت بالتعاون مع المجلس الأعلي للآثار  و ” I B M ”  ـ وهي بمثابة  ” خزانة ” جمعت كنوز التراث الحضاري لمصر عبر العصور الفرعوني واليوناني والروماني والقبطي والإسلامي ، وعلي ثلاثة أبعاد تعطي للمشاهد زوايا رؤية مختلفة وتمكنه من التجول والمشاهدة بحرية وسط الآثار مثل هضبة الأهرام ومعبد الكرنك وقلعة قايتباي والقاهرة الإسلامية ، وجمعت البانوراما إلي جانب المواقع التاريخية ، والقطع المتحفية ، أوصافًا للأحداث والشخصيات ، ومتاحة بأحدث التقنيات بمعلومات وصفية باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية ، وبتقنية مبتكرة يتولد بها ذاتيا وديناميكيا النص المسموع مع المشهد المرئي ، والذي اقترن بإدخـال ” المرشـد الإلكتروني ” ـ وهو حاسب آلي خفيـف محمول يزود الباحثين وأيضا زوار المتاحف بالمعلومات المقروءة والمسموعة والمرئية . هذا إلي جانب بانوراما التراث  ” الكلتيوراما ” وبانوراما الحضارة وغيرها من الصالات التي أعدت بداخل المركز للعرض ولمباشرة الأنشطة الثقافية المختلفة والاطلاع علي ما بالمركز من كنوز .
 
    خريطة مصر الأثرية ، هي جملة خرائط لمحافظات وأقاليم مصر ، لا يمكن أن تتابعها إلاّ واجفا مدهوشا مبهورًا  لهذا العمل الجليل .. من مكاننا دخلنا إلي داخل مواقع أثرية ،  بحوائطها وجدرانها وما عليها من كتابات ورسوم ، ودخلنا إلي أبنية قديمة في قلب القاهرة المعزية وفي قلب القاهرة الحديثة .. ما عليك إلاّ أن تعرف نظام التجميع والتبويب ومفتاح استدعاء المشهد المطلوب لتراه أمامك مشمولا بقاعدة بيانات كاملة وفي صورة مرئية للأثر الذي تستطيع من مكانك أن تجول فيه ما عَنَّ لك التجوال . النظام قائم علي ثلاثة مستويات: الأول المستوي القومي ، في خريطة إلكترونية شاملة للمواقع الأثرية يظهر فيها الموقع الأثري علي شكل نقطة  مزودة بالبيانات الأساسية . والمستوي الثاني هو مستوي الموقع الأثري . فيه يظهر علي الشاشة في خريطة مفصلة واضح فيها مكوناته وبياناتها . فإذا أردت المزيد ، فما عليك إلاّ أن تتحرك ـ بالمفتاح ـ  إلي المستوي الثالث  وهو  ” الأثر ” ذاته .. معروضًا بصورة جامعة بنماذج ثلاثية الأبعاد أو بمسقط أفقي مبين عليه الحجرات والمكونات المعمارية ، مصحوبة بوصف كامل لنقوش وصور ورسومات كل جدار من جدران الأثر .
 
     من مكاننا بصالة عرض  ” بانوراما الحضارة ” التي تتيح مجالاً واسعًا للمشاهـدة  فـي نطـاق زاوية   180ْ ، شاهدنا بردية مصرية طولها خمسة عشر مترًا ، مكتوبة بالهيروغليفية ، ومترجمة ، وتضمنت فيما تضمنت معادلات رياضية مدهشة عقدها هؤلاء الأجداد دالين بهذا العلم السابق علي حضارة ضاربة في أعماق التاريخ ، خليقة بأن تشعل فينا حرارة الانتماء الوطني ، وتدعونا إلي التقدم بحاضرنا إلي ما كنا عليه من مجد تليد دان لنا حينما أعطينا للواجب حقه ، وتوسلنا إلي ما نريد بعلم يصادقه عمل مخلص دءوب يدرك أن بناء الأمم رسالة كبري!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »