شريف عطية

زلزال لم يوقظ «حگـومات الأغرار»

شارك الخبر مع أصدقائك

:  شريف عطية
 
تزامنت الذكري 59 لقيام الدولة العبرية مع النشر «الجزئي» لتقرير «لجنة فينوجراد» عن الحرب الفاشلة التي خاضتها إسرائيل في لبنان الصيف الماضي، وحيث يعبّر هذا التوازي ـ ربما ـ عن رسالة قد تتعدي مجرد نقد الأداء للمؤسستين العسكرية والسياسية الإسرائيليتين، لتعيد تقييم ما أسفرت عنه جولات عسكرية وسياسية سابقة كسبتها إسرائيل تباعا خلال العقود الماضية، إذا ارتكز انتصارها ـ بالقياس ـ إلي عوامل قوة اصطناعية، يأتي ضعف الجانب العربي في مقدمتها، ومن ثم فإن الفلسفة التي استمدت منها إسرائيل وجودها وتمددها كـ «مجتمع حرب»، ليست صالحة للاعتماد عليها علي اطلاقها، الأمر الذي علي ضوئها أصاب إسرائيل مؤخرا بحالة من الانفصام المجتمعي، إذ بات الرأي العام يتطلع من بعد تدهور الأداء العسكري لجيش الدفاع.. إلي غطاء سياسي عبر التوصل إلي تسوية الصراع مع العرب، بينما النخبة السياسية لاتزال مهمومة بحسابات شخصية، وبتكريس نفوذها ومجدها السياسي عبر جهودها لإعادة الثقة بالمؤسستين العسكرية والسياسية.. سواء من خلال مراوغاتها لمبادرات السلام العربية والدولية أو تكثيف القيام بمناورات عسكرية أو التلويح بالحرب مجددا في لبنان، وسوريا.. وربما إيران، في ذات الوقت الذي ينتقد فيه «بيريز» تلك «النظرة السوداوية» التي ينظر بها الرأي العام الإسرائيلي لمجريات الأحداث.. تتزايد معدلات الهجرة المضادة من إسرائيل لتفوق نسبة المهاجرين إلي داخلها.

 
ورغم ما أحدثته  «لجنة فينوجراد» من دويّ وصفته وسائل الإعلام بـ «الزلزال» إلا أنه لم يوقظ نخب المنطقة وحكامها ـ إسرائيليين وعرب ـ السادرين في خدر السلطة دون مبالاة في هذا الجانب إزاء انتكاسة عسكرية كشفت وهن دعائم مشروعهم الصهيوني، أو افتضاح التغافل في الجانب  الآخر عن توفير الغطاء السياسي والإعلامي للمقاتلين اللبنانيين أثناء الحرب وبعدها، وحيث ينحصر الجهد في معظمه علي الاحتفاظ فحسب بالمزايا النخبوية التي توفرها لهم سدّة الحكم.. حتي ولو ذهبت الأوطان إلي الجحيم.
 
اتصالا بما سبق من سياق لم يعد شبق السلطة رغم توالي الفشل في مباشرة مسئولياتها، يقتصر فحسب علي رجالات الدولة العرب، فقد امتدت الظاهرة لتصيب عدواها جيرانهم الإسرائيليين، ربما لطول العهد بـ الجوار.. أو من فرط التطبيع العلني والسري الجاري بينهما منذ عقود، إذ برغم إدانات متتالية تدمغ مسئولين إسرائيليين في الآونة الأخيرة ـ علي غرار نظرائهم العرب ـ وتتهمهم بالفساد، والتحرش الجنسي، والاخفاقات العسكرية.. الخ، فإنهما يتماثلان في افتقادهما حمرة الخجل، مؤثرين الاستمساك مثل كلاب الصيد «الجائعة» بمناصبهم، ساعين إلي تكريس صلاحياتهم، وإلي تطويع الأنظمة السياسية التي تظللهم لأجل استمرار بقائهم في سدّة الحكم، دونما اعتبار لما أصاب مجتمعاتهم علي أيديهم من «نكسات» عسكرية، وأخلاقية ووطنية.. تكفي واحدة منها  للإطاحة بمناصبهم، وملاحقتهم إلي أن تطويهم غياهب السجون أو ظلمات القبور. وهكذا.. حين يلتقي النظيران العربي والإسرائيلي لبحث المشاكل المعلقة بينهما، فإن ما يجمعهما من تدني شعبيتهما لدي الرأي العام الداخلي يجعلهما يتحسسان ما برأسيهما من ندوب، بأكثر مما يشحذانها لأجل تسوية ما يهم شعبيهما.. إذ إن أولوية البقاء في السلطة، واستمالة مشاعر الجماهير الحانقة، ودغدغة عواطفها.. هي وحدها التي تشغل عقولهم وأنظارهما الغريرة عنها فلا عجب إذن.. والحال كذلك، أن تربط الصداقة بين المسئولين علي الجانبين.. لمصالح ذاتية علي المستوي الشخصي، من دون أن تنسرد عمليات تلك العلاقة الملتبسة إلي إنجازات إجرائية علي مستوي الصراع المعقد بين الأمتين العربية واليهودية.. وهنا تكمن قمة المفارقة السياسية المتدنية، وإن كان من الانصاف القول بأن الأخيرة ـ علي عكس نظيرتها العربية ـ قادرة بما لدي ديمقراطيتها من ديناميات داخلية.. علي التصويب، وعلي إفراز نخب جديدة تنتشلها تباعا من أزمات الحكم أو من مظاهر الفساد التي أصبحت تنخر إسرائيل مثلما تمرح من ناحية أخري في جنبات العديد من دول العالم العربي.. لكن دون آليات مشابهة لما تملكه إسرائيل مما قد يمكنها من مواجهة التحديات السياسية التي تواجه المجتمعات العربية.
 
في هذا السياق، فإن إسرائيل قد تكون مقدمة بفعل تراكم الفشل في الحرب مواجهتها لأسبابها. كما في التسوية السلمية، كما في الأداد الحكومي إلي إسقاط الرهان عن تيار الوسط «كاديما» رغم قيادته لائتلاف حكومي يتمتع بأغلبية برلمانية برجماتية تتيح له تمرير قرارات استراتيجية، إلا أن استطلاعا أخيرا للرأي أجرته صحيفة «يديعوت أحرونوت».. أظهر أنه لو أجريت الانتخابات اليوم لانهارت شعبية حزب كاديما لحساب فوز ساحق لحزب الليكود، وعلي حساب حزب العمل المنقسم علي نفسه، كما أظهر الاستطلاع من جانب آخر أن هناك ما يدعو لاستخلاص نتائج ضد القيادتين السياسية والعسكرية علي حد سواء، فهل تمثل تلك المؤشرات نهاية «الانفجار الكبير» الذي يتوقع معه المراقبون في إسرائيل ـ حدوث انهيار كبير في الساحة السياسية الإسرائيلية ـ يعقبه تشكيل أحزاب وتكتلات جديدة علي أسس جديدة.. مثلما ترتب في 2005 عن التحقق الجزئي لهذه النظرية حين جري تأسيس «حزب كاديما» من المنشقين عن حزبي العمل والليكود وعلي رأسهما كل من شارون وبيريز.. ليحققا علي الأقل شرف المحاولة، بينما نظراؤهم علي الجانب الآخر من التل سادرون في فسادهم يعمهون.
 
ذلك هو ما يجري عليه العرف في المجتمعات السياسية ذات الحيوية إذا ما أصاب مسيرة أدائها نكسة ما، إذ سرعان ما تراجع نفسها لتستأنف الارتقاء بنفسها من جديد فهل نحن العرب فاعلون؟

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »