رجائى عطية

زحف الدنيا‮.. ‬وعمق وصفاء الإيمان‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :
 
الرغبة والأهواء وكذلك الأطماع والمخاوف وأنواع وألوان اليأس والتدمير -هي كلها أحوال تتداول الآن بكثرة لم تشاهد من قبل لدي البشر أينما وجدوا.. زادت وكثرت هذه الأحوال نتيجة الاستغراق في استغلال العقول واستخدام حليها التي لم يعد لها حدود في جميع المجالات والمستويات، ولم تجد هذه الحيل ضابطاً لها يوقفها أو يلطفها!.. فهل يمكن أن يفتح لنا باب الاتصال والتعامل مع الكون العظيم بابا يوسع آفاقنا ويحد من هذا الجنوح ويجعل أغلبية الآدميين يحكّمون عقولهم أولاً وأخيراً في العالم الواسع الذي فطنوا أخيراً إليه وإلي قيمته التي ليس لها حد.. هذا التفطن الذي لم يأت إلا بعد دهور ودهور لا أول لها ولا آخر من  الاستغراق في عبادة هذه الأرض وفيما تعطيهم من الغلو والكبرياء والقسوة في جانب، ومن الفقر والفاقة والجهل والهلاك بغير مقابل في الجانب الآخر الأكثر عدداً وآلاماً وشقاءً وإهمالاً وتجاهلاً!
 

علماً بأن جميع علماء وأقطاب العلوم الوضعية الحالية في بلاد العالم جميعاً.. هم ومدرسوها ودارسوها في المدارس والمعاهد والجامعات والمعامل -لا يخدمونها إلا لكسب المال كشأن القائمين علي تطبيقها واستخراج ما يمكنهم استخراجه منها من المواد والأدوات والأجهزة والماكينات في المعامل والمصانع والصيدليات والعيادات والمستشفيات.. لا يتخلصون في خدمتها من هذا الحرص علي كسب المال من أهل المال والحكومة والصناعة والتجارة والمهن والحرف، ثم من أجل انتشار الشهرة والسمعة ودوام الاختراع وترويج ما يري أصحاب الشأن والمصلحة- ترويجه وإقصاء ما ينبغي في نظرهم التخلص من وجوده أو من ترويجه.
 
فلا تزال »أنا الآدمي« مسيطرة سيطرة تكاد تكون مطلقة علي العلوم الوضعية ونتائجها وآثارها وأغراضها البشرية الحالية سيطرتها علي عواطف الآدمي وآماله وأحلامه.. وعلي متاعبه وأعبائه ومخاوفه وأحزانه وويلاته.. لأن »ذات« أو »أنا« كل آدمي بغير استثناء- »إلا الأنبياء في نبواتهم«- تتحكم وتتسلط عليها أطياف حلوها ومرها من قديم الزمان دون مقاومة تذكر.. لأننا لم نشهد إلا هذه الأرض.. ولم نعرف معني الكون العظيم حقيقة حتي اليوم برغم الخطي الحديثة المهمة التي خطاها القلائل في السنين الأخيرة بحب أن يتحرك معظم البشر جادين مصرين مستبسلين -إلي نقل اهتمام معظم ما نشعر به ونحافظ علي استمراره وتنميته في حياة كل منا حاضره وأمله ومستقبله- إلي الاندماج باطراد في الكون.. وسيلتنا الأولي والأخيرة ثقتنا فيما منحنا من قدرة عقولنا وإمكاناتها ملتفتين إلي الحرص علي تجنب تدني العقل، وتحاشي استبعاد قدراته واستخدامها في الجري وراء الأوهام والأحلام الكاذبة التي قواها وسلطها علينا الانحصار في قبضة الأرض وفقدان القدرة علي التبصر بهذا الكون العظيم الذي طفقنا الآن نرتاده ارتياداً من المنتظر أن يتسع علي مر الأيام ونمو واكتشافات العلوم.
 
والآدمي دائماً ابن عصره هو.. خيراً كان أو غير خير.. عاقلاً أو غير عاقل.. عالماً أو جاهلاً.. لا يمتد عقله كثيراً ولا خيره أو علمه إلي العصور التالية لعصره إلا جزئياً.. تتضاءل جزئية امتداده كلما زاد توالي العصور وزاد معها تأخر عصره وزاد ابتعاد ماضيه.. وهذا الانسحاب أو التراجع من خصائص حياة كل آدمي بغير استثناء.. فيتقادم شيئاً فشيئاً معظم ما كان في أيامه جديداً فيدركه القدم أو الانطمار.. ويحل ما جد أو استجد مكانه من الأحياء والأجيال الجديدة محل الكثير من سابقه وماضيه.. هذه قسمة أو حظ الآدمي الجديد الحي في تكوين حياته.. وهو لا يستطيع مهما اجتهد في التمسك بالماضي أن يحول دون ظهور الجديد وتسيد هذا الجديد علي ماضيه وماضي آبائه.. ربما لطفت القرابات من الشعور بهذه التغيرات المتتالية مع توالي الأزمان والأجيال.. يظن الآدمي ويتخيل أنه مازال يجري علي ما كان عليه هو وآباؤه وأجداده، وأنه تجمعه وإياهم نفس الدنيا ونفس المعالم، وأن الحياة باقية كما هي لم يتغير فيها شيء، مستمرة في بقائها واستمرارها وثباتها برغم خطو الزمن الذي لا يكف عن الزحف والتقدم في العمر الذي لا ينقطع لكي ينتهي.. ولكي تسير البشرية بتغيير وتجديد الأحياء وإزالة الأموات.. فلا يبقي من هؤلاء إلا بعض الأسماء وقليل من الأخبار والآثار يرددها بغير دقة من يأخذ مكانهم، أو يذكر القليل من الباقي من سيرهم المتداولة.. فبقاء أي منا علي هذه الأرض منذ وجدنا أنفسنا.. مبني علي دوام صورة من التكرار علي دوام الأعمار.. فهذه مهما طالت في نظر بعضنا وقتية محدودة وزائلة بالحتم!
 
ووجود الأسر قديم وسائد في جميع الجماعات البشرية كلها.. تتكون بداياتها غالباً تبعاً لمشيئة الكبار من الذكور.. وأحياناً الإناث.. فهي ليست اختيار ولا مشيئة القرناء.. فهؤلاء يستسلمون للعشرة المألوفة في الجماعة التي يتولاها الكبار. لا بعناية وتدقيق، وإنما وفقاً للعادات المألوفة.. وهذا دام ويدوم وسيدوم بين غالبية المشاركين في العشرة أو الاقتران أو الزواج أكثر من دوام الخلاف الذي قد يشتد أو يقل تبعاً للأوقات والظروف والأعمار.. يضمن بقاؤه رغم ذلك -الحرص المألوف علي بقاء الأسرة التي تكونت واهتمت في حدود وسعها بالأولاد أو بطول العهد أو بالإحساس باليأس من العثور علي موافقة دائمة.. فالبشر نادراً جداً ما يستخدمون عزائمهم أو يتمسكون بصلابة إراداتهم.. سواء في حياة كل منهم أو في حياة الجماعة التي ينتمون إليها.. وأشد من ذلك ندرة النظرة الجادة العميقة إلي مستقبل الإنسانية!
 
وهذه إلي اليوم لا يكاد يلتفت إليها أحد.. لا الخاصة ولا العامة.. سواء في الجماعات المتقدمة المتطورة، أو في الجماعات التي في طريقها إلي التطور.. ناهيك بالجماعات المتأخرة!
 
ذلك لأن البشرية كلها إلي يومنا هذا.. خاصتها وعامتها، علماءها وجهالها، أغنياءها وفقراءها، متحضريها ومتخلفيها- تستجيب أولاً وأخيراً وبلا استثناء إلي العواطف النشطة في كل آدمي حي.. ولا تتصور قط الاحتكام إلي العقل البشري الذي يطاع ويتبع ولا يخضع ويستخدم ويؤمر ويقاد.. لأن البشرية لا تستجيب حتي الآن إلا للعقل الذي يخدمها ويخدم أغراض آمالها وأمانيها ورغابها وأحقادها وخصوماتها وعداواتها خدمة المستعد لأداء ما يطلب منه من هذه أو تلك من الأغراض البشرية!
 
والآدمي ذكراً أو أنثي -حريص أشد الحرص علي لذة الجنس حتي الشيخوخة، وعلي لذة التنعم والاستمتاع إلي أقصي ما يستطاع في شراء واغتنام وحيازة واستيفاء أطيب ما في وسعه من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والزينة والأثاث والرياش والاقتناء والتملك والتزين والتظاهر والتفاخر وحيازة النفائس أو ما يظن أنها كذلك، ويحاول إن أمكنه أن يمتلك أو يحوز الدور الواسعة والقصور الفخمة، وأن يكون لديه منها ما يكفل تنعمه في المصايف والمشاتي.. ويصر أو يرجو رجاءً موصولاً أن يقتني ويغتني وأن يزداد غني ما عاش.. يزهو بثرائه وغناه وتزهو به عائلته معه ومن بعده.. وهو يحب المال حباً جماً لا يدانيه شيء إلا الزيادة فيه والتسلط علي إنفاقه والتيه باستخدامه والتقوي بقوته الفعلية أو المدعاة التي يطمع أن تنقلب إلي واقع يطمئن سره عليه.. وهو ينتظر الثراء في شبابه وقبل شيخوخته.. وقد ينافس الأثرياء ولا يبخل علي نفسه بالرياضة والسياحة والصداقات لمن هم أثري منه أو من يعتقد إمكان الانتفاع بنفوذهم أو نفوذ أقاربهم.. مشغول بالتطلع إلي كل طبقة  تعلو طبقته، فإن أعياه الوصول إليها تظاهر بأنه منها وسعي سعيه الجهيد الحثيث لينضم لها ذات يوم.. لا يدع فرصة إلا اغتنمها في اصطناع الأناقة والتطيب والتجميل.. لا يعنيه أن يكون الجمال والحسن حقيقياً أو غير حقيقي.. طالما أنه علي الحال الظاهري الذي يحب أن يبدو به وعليه في عيون الناس!
 
»للحديث بقية«

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »