رجائى عطية

دولـــــــة الأيـــــــــــام ‮( ‬3‮-‬3‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

لقـد ضاق وسع الاجتهاد في الأرض اليوم ـ علي الآدميين بكثرتهم الهائلة وطول تعطلهم إزاء آلية الأدوات الشديدة التركيب وتعقيد المواد البالغة الدقة وتنافس أصحاب رؤوس الأموال الحاد في الصناعات الحديثة، وتعرضها دائما لضرورة الانتقال أو الالغاء، وما يترتب عليه من تفكك الإدارات وتعطيل العاملين وإطلاق البطالة مؤقتة وغير مؤقتة.. إذ غالبية الصناعات والحرف إن لم يكن جميعها ـ وحدات تتنافس بعضها مع بعض ـ مختلفة فنًا ومكانًا وملكيةً فضلاً عن الذوق والجهد والخبرة.
 
ونعود فنقول إن الآدميين دائما وحتما ـ مختلفوا الذوات كثيرا أو قليلا.. مفردوا الأنا لا تدخل “أنا” هذا في “أنا” ذاك قط ذهب أو حضر.. لا يتطابق أي منهم تماما مع آخر من أقاربه كانوا أو أغرابا قد يتشابهون ـ أو لا يتشابهون ـ في السحن والألوان والأطوال والذكورة والأنوثة والأعمار، ولذلك تتغاير دائما جماعاتهم في ماضيهم وحاضرهم فتختلف كل منها بعاداتها وخصائصها وعلاقاتها بعضها مع بعض…. وقد ينازع جزء من الجماعة أو أغلبها رئاستها أو سادتها وقادتها.. وقد تثور الجماعة أو غالبيتها علي اجنبي إحتلها أو حاول ذلك ونجح أو فشل.. وتلك طواريء عامة أقل وأبعد من احتكاك أفراد الجماعة الفردي أو العائلي أو العملي أو ما هو بداخلها أبعد من ذلك!
 
وجماعات البشر تضخمت في الماضي البعيد وفي الماضي القريب وبقي البعض حتي الآن في هذا التضخم كالولايات المتحدة..فقد أضافت خلال قرنين ضم جماعات أو ولايات إليها، فشملت أغلب مساحة أمريكا الشمالية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.. وقد زال الآن تضخم بريطانيا وفرنسا وروسيا والهند. إذ يستحيل أن يبقي في دنيا البشر باق دائم ضئيل وصغير وكبير وضخم.. وقد يبقي عاقل وحكيم في الأرض نادرا أو قليلا، ونادرا جدا ما يبقي أقوي وأشد إن تيسر له ذلك.
 
وكلنا يعتقد أن كثرة المعارف المتداولة بيننا دون اعتراض من كثير أو قليل صحيحة مسلمة لا تحتاج إلي إثبات، وهذا اعتياد فقط علي تعارف الجمهور في زمانه ومكانه.. لم يحاول الجمهور فحصه ودراسته لداع ما.. إذ مجري حياته في الغالب الأغلب ـ عبارات وانسياقات واتباعات وتكرارات وتقليدات لا يبدو منها للملأ شذوذ أو غرابة تفطن إليها الجماهير.. أقصد الجماهير بعامة شاملة كل الحكام والمحكومين.. الأغنياء وغير الأغنياء منهم.. أهل زهد وقناعة أو حرص طمع أو جوع.. لأن كل البشر في ماضيه وحاضره في تحرك دائم لا يكف عن الحركة حتي في النوم.. ولذلك يتشابه الحاكم والمحكوم أمس واليوم في الحركات والإشارات خاصة في زماننا هذا.. إذ تطابق في الأغلب الأعم عبارات الكبار والصغار فيتشابه المحكوم مع الحاكم والصغير مع الكبير في كيفية الحديث العلني وفي الشرح المتأنق ورفع الرأس وخفضها وإظهار البراعات والانتصارات وعكسها قناعة أو تكلفا وتهربا دون جدوي حقيقية مؤكدة !.. فانحرفنا جميعا علي مدي أربعمائة أو خمسمائة سنة وغصنا دون توقف إلي قاع ثائر غائر نهايته زوال وجود البشر!
 
وحياة الآدميين من بدايتها إلي اليوم والغد ـ قصيرة جدا.تنتهي دائما بزوال لا يحيط به الحي منهم قط.. وهي دنياهم التي لا تشارك ولا تماثل أبدا وتماما حياة باقي الحيوان ولا حياة النبات.. لأنها منحت من المولي عزّ وجلّ.. فكرها قابل للنمو إلي غير نهاية آدمية ممكنة، وهي من هذه الزاوية فوق قدرة إمكان الحيوان الذي نعرفه الآن وقدرة النمو النباتي وقدرة الطاقات والقوي غير الحية الموزعة في كل حي مادام حيا.. آدميا كان أو حيوانا أو نباتا.. فالأحياء كافة كما شهدها ويشهدها البشر وقتيه في أفرادها.. متطاولة في تعاقب وتبادل أعقابها وتبادلها قرابات كانت أو غير قرابات ما شاء الله تعالي ـ مع تغير الزمان والمكان علي الأرض فيهما باستمرار إن بقي عندئذ من الآدميين أحياء.
 
فالآدمي ككلمة ـ وصف عام للبشر يتصف به كل فرد يطلق عليه لفظ الآدمي في أي زمان ومكان صغيرا كان أو كبيرا ـ مدة حياته هو علي الأرض ـ أما الموتي جميعا من البشر ـ دون أي استثناء، فقد فقدوا وجودهم في الدنيا نهائيا بغير رجعة إليها.. وآثار الموتي في الماضي البعيد أو القريب ـ التي في أيدي الأحياء أو في تقاليدهم واعتياداتهم ـ هي آثار محصورة فيما يبدونه كأحياء فيما كتبوه أو أعيد طبعه أو يردده الأحياء في زمانهم نقلاً عنهم.. وهذه المطبوعات والترديدات مصدرها الحي لا الميت، إلاّ أن يكون هذا قد ألفه أو كتبه الميت قبل موته، فيتحمل مغبة ما كتبه أو ألفه في زمنه، أو يكون هو قد عدله أو عدل عنه قبل أن يفارق دنيا الأحياء!
 
فحياتنا وقتية زمانا لكل فرد من عمره منذ خلقنا.. محصورة بداية ونهاية في الأعمار الوقتية فقط في أزمنة متتالية دائما بلا انقطاع، والمستقبل هو فقط الذي يتحرك من حاضر صدر عن ماض خلال حياة تنتهي حقا دنيويا بنهايات الأعمار التي تعقبها المواليد، وهي متغيرة باطراد متغير بين النقص والزيادة والقلة والكثرة والتقارب والتباعد والتجمع والتفرق والسهل والجبل والأنهار والثلوج والأمواج والجفاف والجدب ودوام الترحال.. وهذا الانتشار المنقطع المتعدد من أول البشرية حتي اليوم يتحرك هنا وهناك في جماعات وطوائف ينحاز إليها أفراد قربا أو بعدا بعضهم إلي بعض أو عـن بعـض.. تلقائيا أو بترتيب دول وحكام وقادة يحددون نوع الانتشار ومآله اتساعا أو ضيقا أو انتقالا أو فضًا أو نهايةً وزوالاً مفروضا فرضًا!
 
فلم يغير شيئا ما يبدو من حرصنا اليوم ـ علي المغالاة في التظاهر باستخدام أحدث الآلات والأدوات والقوي في المنافسة التي لم نحسنها بعد.. فقد تراجعنا تراجعا شديدا غير مسبوق إلي الوراء.. لأننا بتنا في أعماق التفكك التام والأنانية السائدة في كل مستوي، واليأس الذي بات يعلنه الشعب ويطويه في أعماقه الخاصة. هذه الأعماق التي تغمرها صباح مساء الشكوك والمخاوف لانعدام الرجاء في المستقبل القريب أو البعيد ـ في ظهور الرخاء الجاد الذي كانوا من قبل يتوقعونه أو يجدونه!!
 
بتنا اليوم كل منا دون إستثناء مكتف بيومه هذا يعيشه بقدر ما يمكنه.. لا يفكر في غده وماذا بيده خيرا من يومه، بل لا يفكر في غدٍ ما يمكنه أن يعيشه لأنه ينتظره ويرجوه. هذا الوجود الخالي من الرجاء والأمل المبشر الجاد ـ غَاصُُ بسرعة البرق ـ بالسخط أو الغضب أو الشجار أو العراك أو القتال.. أو يحتشد في مجتمعه باستمرار ـ بحقد الحاقد ولعن اللاعن ومقت كل نجاح تصور أن غيره حققه في دنيا الكساد أو الفساد!
 
معظم الناس لم تعد تثق ثقة تامة قط في شئ أو شخص. لا في البيت ولا خارجه.. ولا في حاكم أو محكوم.. ولا في عادي مألوف أو غير مألوف.. ولا في جاهل يتخبط أو ساقط لا يبالي بحرام أو حلال في إرضاء أناه، وإنما توجد حركات وقرابات واتصالات ومعارف ومنافع وقتية مكررة وغير مكررة وحيل مشتركة وغير مشتركة ومظاهر تجارات داخلية أو خارجية ومعالم صناعات أو زراعات أو نقل أو مبادلة أو بنوك أو شركات أو بورصات ومكاتب متصلة مع سماسرتها.
 
فنحن اليوم في أواخر ما كان منتفخا عدة مرات في القرنين التاسع عشر والعشرين ثم انكمش في أيامنا باطراد متتابع، وقد جاوز الانكماشات السابقة بما يحتاجه إلي تغيير هائل يكتسح معظم ما عرفناه وألفناه في ماضينا وماضي من سبقونا جميعا بطوله وعرضه ـ مما لا أول له ولا آخر من الانخفاضات والارتفاعات والعكس، ثم إنتهي بالانخفاضات الحالية التي قد تجاوزت أي تكرار ممكن في عين العاقل الفاهم الذي لا تخدعه أنانيته!
 
فما معنا اليوم والغد نهايات ـ فيما يبدو ـ وليست مجرد تغيرات وقتية تزيد وتنقص مع الأزمنة والأمكنة إلاّ أن يكون في انتظارنا ـ برغم غموض أحوالنا واضطرابها الفاشي في كل موقع انتقال جديد ضخم في طريقه إلي الاتساع الذي يبدو ضئيلا اليوم رغم الانتشار فيأخذ البشرية إلي خطها الجديد المديد ـ في انطلاق إلي الفضاء وما فيه من مادي وحركي للشمس وكواكبها وتوابعها والكون الهائل الذي لا نعرف حتي الآن امتداداته وما يحتويه من خيرات لم تعرف لنا بعد.. إذا قدر القادر عزّ وجلّ لنا شيئا من ذلك الخير، لأبنائنا أو لأبنائهم أو من يجئ بعدهم، لحققنا للبشرية عالما جديدا لا يعرف قط ما نسميه نحن اليوم والغد ـ بالمكر والخديعة والخبث والأنانية.. لم تعد هناك جدوي في المظاهر كائنة ما كانت من أكابر الناس وأكابر التقديرات وأكابر الخطوات وأكابر المحاولات والاجتهادات.. إذ الحقيقة هي الأصل والظواهر صور، فتحكمات القرارات والاعتمادات والقوانين واللوائح وإعلانها وتوزيعها والأوامر بها دون تنفيذ حقيقي جاد ـ خيال وعبث لا يسنده أصل قائم فعلي يعرفه معرفة تامة كل آدمي!
 
فما يدعي ـ من المتسلطين أو المعتدين أنه واجب يلتزم به الخلق ـ كائنا ما كان شكله ونوعه وأوله وآخره ـ هذا الإدعاء هو بدعة وخرافة ومجازفة سوف تؤدي بهؤلاء الحمقي بالبشرية إلي نهايات تعيسة للبشرية ما لم يقيض لها من يحل محلهم من مخلوقات أعرف وأبصر وأعقل. وسبحان القائل في كتابه العزيز: “وَتِلْكَ الأيامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ”.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »