دفاعا‮ ‬ عن‮ »‬إبداع‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولى

هنيئا لنا إذن، أصبح لدينا مندوبون عن الله، يحكمون بدلا منه ويقررون عقاب من يرون أنهم أساءوا إلي الذات الإلهية من وجهة نظرهم. تصدي هؤلاء المندوبون لقضيتين كان مبرر الإدانة فيهما جريمة من نوع ما ارتكبت في حق الله وليس في حق بشر من عباده. القضية الأولي كانت غريبة وفريدة من نوعها، وهي القضية التي اشتهرت إعلاميا بقضية »تبادل الزوجات«، وتضمنت حيثيات الحكم فيها أن المتهمين »ارتكبا جريمة يهتز لها عرش الرحمن!!«. والقضية الثانية حكمت فيها المحكمة بإلغاء ترخيص »مجلة إبداع« التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكانت الجريمة نشر قصيدة للشاعر حلمي سالم تضمنت ما اعتبرته المحكمة واعتبره المدعون »إساءة إلي الذات الإلهية«.
 
من صفات الله أنه الحكم والحكيم، بل إنه أحكم الحاكمين وفقا للنصوص الدينية، كما أنه »العزيز« و»الغني عن العالمين« و »ذو القوة المتين«، وصاحب المشيئة النافذة وأنه »إذا شاء فعل«. ورغم كل هذه الصفات الفائقة، يصر هؤلاء علي أن الله في حاجة إليهم لكي يحكموا ويقرروا أن سلوكا بعينه أو نصا ما ينطوي علي إساءة أو جريمة في حق الذات الإلهية.
 
في الحالة الأولي _ تبادل الزوجات _ ِأصر المدعون علي أن رجلا وامرأة استطاعا أن يهزا عرش الرحمن لأنهما قررا أن يعيشا حياتهما الخاصة بطريقة لم تتضمن جرائم الاغتصاب أو الدعارة أو الابتزاز، أي أنهما لم يرتكبا أي جريمة في حق آخرين وتصرفا فيما يخصهما فقط. ومع ذلك »يهتز عرش الرحمن« _ الذي وسع كرسيه السماوات والأرض _ لهذا الفعل الشخصي الصرف، ولكنه لا يهتز لجرائم أخري فظيعة أودت بحياة الآلاف من الأبرياء مثل كارثة غرق العبارة، أو كارثة انهيار المقطم علي حي سكني فقير، أو كوارث القطارات، أو المبيدات المسرطنة، أو نهب أراضي الدولة أو الرشوة … إلي آخر قائمة الجرائم الشنيعة التي تهدر حقوق ومصالح الآلاف، بل الملايين من الفقراء! وهل هناك بشر فان يمتلك القدرة علي أن يهز عرش الرحمن؟! وأدانت المحكمة الرجل والمرأة وحكمت عليهما بالسجن.
 
وفي الحالة الثانية رأي المدعون أن بضعة أسطر في قصيدة نشرت في مجلة لا يقرأها إلا نخبة من المثقفين تسيء إلي الذات الإلهية، واستدعي ذلك حكما من المحكمة بإلغاء ترخيص المجلة حماية للذات الإلهية من المعتدين.
 
وعندما نلاحظ أن من صفات الله أنه أحكم الحاكمين، ينبغي إذن أن نكون علي يقين تام بأن الله هو الأقدر علي الحكم ما إذا كانت القصيدة تتضمن إساءة إليه أم لا، وإذا وضعنا في اعتبارنا أنه »العزيز« والغني عن العالمين، فلابد إذن أن نوقن أنه لا يحتاج إلي من يحكم ويقرر نيابة عنه، وعندما نعرف أنه »ذو القوة المتين« وأنه إذا شاء فعل، كان علينا أن ندرك أنه قادر علي وقف الإساءة وعقاب من أساء.
 
ولكن الله لم يعاقب الشاعر ولا القائمين علي المجلة، وإنما عاقبتهم المحكمة، فإما أن الله لم يجد في القصيدة ما يسيء إلي ذاته العلية، أو أنه لم يشأ العقاب. وإذا كان جل جلاله يريد تأجيل عقابه لمن أساءوا في حقه، فلماذا يتدخل من بني البشر من يستعجلون هذا العقاب دون أن يكونوا علي يقين بإرادة الله فيه؟ وإذا كانوا بذلك قد اعتدوا علي حقوق الإبداع والمبدعين، فإنهم بذلك أيضا يرتكبون في حق الله إثما مزدوجا. فمن ناحية، يقررون لله حكما دون أن يتيقنوا أن الله قد حكم به فعلا، ومن ناحية أخري، لا ينتظرون نفاذ إرادة الله في الأمر وينفذون عقوبة نيابة عنه ودون أن يتيقنوا أيضا أن الله أراد هذه العقوبة. والأخطر من ذلك أنهم يتهمون الله بالعجز بطريقة غير مباشرة، أو أنهم يعلنون بطريقة غير مباشرة عن عدم ثقتهم في أن الله حكيم وقادر، يستطيع أن يقرر دون واسطة من أحد وأن يعاقب دون الحاجة إلي تدخل منهم.
 
كل ما أتمناه أن يتوقف هذا العبث والنفاق، أن يترك أمر الله وحقوقه له يقرر فيها ما يشاء، وألا ندع سلطة تجمل وجهها القبيح من خلال الادعاء بأنها ترعي حقوق الله في الأرض. علينا أن نهتم نحن بأمرنا، أن نتوقف عن اصطياد من نستضعفه لأنه لا يلتزم بعقائد وسلوك القطيع وننتقم منه انتقام العاجز والضعيف عندما ينفرد بمن هو أضعف منه وأعجز أمام العقائد والأفكار السائدة. علينا أن نهتم بحماية المرضي من أكياس الدم الملوثة، وحماية الفقراء من الأطعمة الفاسدة، وحماية السجناء من التعذيب، وحماية ثروة المجتمع من النهب. وإذا كنا عاجزين عن حماية أنفسنا من الفساد والاستبداد، فأضعف الإيمان أن نتوقف عن الانتقام من أنفسنا ونرحب بأكبر قدر من الحرية في الفكر والإبداع علها تضيء طريقا للخروج من هذا النفق المعتم.

شارك الخبر مع أصدقائك