دبلوماسية الكواليس فى الميزان (2-2)

شارك الخبر مع أصدقائك

تداخلت المعارضة لمصر، بغثها وسمينها، إلى التشويش على قضايا كبرى تتصل بالمصالح الوطنية بعيدة المدى، حيث أثار تعديل هامشى لأسلوب إجرائى لا يمس مضمون مشروع قرار لمجلس الأمن يدين الاستيطان الإسرائيلى لأراضٍ فلسطينية محتلة، ضجة كبرى لا تزال، رغم أن هذه الأراضى تكاسل أصحابها عن تعميرها لنحو نصف قرن، ولا بأس فليس هذا هو صلب ما نحن بصدده الآن، غير أن الإدعاء بتخلى مصر عن القضية الفلسطينية لا يبغى وجه الحقيقة بقدر ما يعمد لتشويه أحقية مصر دون غيرها بمن فيهم حتى الفلسطينيون.. ذلك فى تحديد طرق اقترابها للسلام وعناصره إلى سبل الوصول إلى غاياته النهائية، إذ إن الصراع العربى مع إسرائيل وإن بدا على غير الواقع يخص الفلسطينين وحدهم.. إلا أن مصر فى حقيقة الأمر هى مقصد وغاية المشروع الصهيونى التوسعى، ربما من قبل أن تخوض الحروب فى مواجهته منذ العام 1948.. إذ لم يكن ذلك فحسب دفاعاً عن حق شعب متاخم.. بقدر ما كان فى المقام الأول للدفاع عن مقدراتها المحلية وعن دورها الإقليمي، حيث استدعت له من التاريخ السحيق والقريب مخاطره المماثلة.. ربما منذ دخول الفرس مصر قبل الميلاد بنحو خمسمائة عام- ولمائتى سنة تقريباً- شكلت «الطائفة» اليهودية خلالها ميليشيات إلى جانب الفرس لإخماد ثورات المصريين المتتالية (بريستد)، ذلك قبل أن يرزحا سويا- المصريون واليهود- تحت هيمنة الإمبراطوريات المتعاقبة على حكم المنطقة بما فى ذلك الحكم الخلافى والسلطانى بعدئذ إلخ حتى غداة القرن التاسع عشر الذى شهد علوّ شأنهما معا منذ الحملة الفرنسية إلى حكم الأسرة العلوية، ورغم أن فلسطين كانت قد فقدت وقتئذ أهميتها الجغرافية كملتقى للقوافل التجارية.. خاصة بعد شق قناة السويس.. إلا أنها بقيت تمثل للمشروع الصهيونى حافزاً روحانياً (أرض الميعاد) بنفس قدر أهميتها كنقطة وثوب متاخمة لمصر.. ومنها إلى تحقيق الغايات العليا الصهيونية «من النيل إلى الفرات»، وهكذا توالت موجات الهجرة «البيشوف الأول» 1881 بالتزامن مع بدء الاحتلال البريطانى لمصر.. وقبل خمسة عشر عاماً من مؤتمر «بازل» 1897 الذى أوصى بإقامة دولة إسرائيلية فى فلسطين.. قبل اعتمادها كوثيقة دولية بعد عشرين عاماً من خلال وعد «بلفور» وزير الخارجية البريطانى وقتئذ (دولة الانتداب)، ولتصبح إسرائيل حقيقة ثابتة على المسرح الدولى 1947، باعتراف القوتين الأعظم وبرعاية من «الإعلان الثلاثى» الغربى 1950 (ومما هو جدير بالذكر لقاء «هرتزل» مع السلطان «عبدالحميد» 1804 طالباً مد مياه النيل عبر أنابيب تحت قناة السويس إلى مستعمرة يهودية «مستهدفة» شرق العريش إلا أن الأخير رفض).

إلى ذلك، ربما كانت هذه المقدمة ضرورة لتوضيح البعد التاريخى لمصر بالنسبة لارتباطها بالمسألة اليهودية من قبل أن توجد فلسطين، ما دعا مصر بعد اتضاح نوايا المشروع الصهيونى إلى خوض أربعة حروب فى مواجهته.. قبل المجازفة بعدها فى أتون الالتحام السلمى مع إسرائيل، ما يثبت أن القضية الفلسطينية – الإسرائيلية هى فى المقام الأول قضية تمس المصالح المصرية العليا، وليبرز من ثم السؤال المسكوت الإجابة عنه، من المسئول عن تسوية النزاع العربى مع إسرائيل؟، وقد يقول قائل مع كثيرين إنهم الفلسطينيون.. الذين هم فى الواقع جزء أساسى من مشكلة لا يسعون لحلها إلا بالقدر المقابل لاشتراكهم- ولو كشريك تابع- ضمن إسرائيل الكبرى «من النيل إلى الفرات»، لذلك لا يمكن لمصر قبول تسوية ما أو فرض أساليب إجرائية لا تتوافق مع حساباتها ومصالحها، إذ هى القصد- كما هو ثابت عملياً- للتوسع الصهيونى، وليس الفلسطينيون أو غيرهم كما يتوهم الكثيرون، ومن هنا تأتى حكمة اتخاذ القرار من منظور حساب الفائدة المصرية مع كيفية الوصول للهدف.. ولتفادى الخسائر أو تقليلها، ذلك دون الالتفات إلى تشويش مزايدين لا يرون غالباً لأبعد من أنوفهم.

شارك الخبر مع أصدقائك