توفيق اكليمندوس

خواطر «22»

شارك الخبر مع أصدقائك

أواصل عرضى لبعض ما جاء فى كتاب أوليفيه روا: هل أوروبا مسيحية؟

فكرة الكتاب الرئيسة تتلخص فى الآتي٬ لقد دخلت أوروبا مرحلة جديدة تماما مع تمكين الجيل الذى شارك فى المظاهرات الطلابية التى اجتاحت الدول الغربية سنة 1968 وهى مرحلة لم يعد ممكنا فيها أن نتحدث عن أوروبا مسيحية أو عن ثقافة لها جذور مسيحية أو تتمسك بقيم مسيحية.

يرى روا أن الثقافة الغربية قبل صعود جيل مظاهرات 68 كانت مسيحية أو على الأقل مسيحية الجذور رغم مسارات العلمنة والتنوير ورغم مشروع تحجيم الكنيسة ونفوذها. ونراه محقا إلى حد كبير فى هذا٬ يقول أن أغلب الأوروبيين قبل 68 كانوا متمسكين بمنظومة قيم مسيحية أو جذورها مسيحية٬ فكانوا على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم السياسية يقدسون الأسرة التقليدية٬ يرأسها رب الأسرة٬ لا يحبون الزنا٬ يرون أن التربية تقتضى ترويض النفس الفردية٬ وتعليمها أن هناك قيما وانتماءات تستحق التضحية من أجلها… إلخ. وكان هناك اعتقاد راسخ أن تلك المنظومة تتفق والطبيعة البشرية والفطرة السليمة.

الخلاف أو الخصام بين الفرقاء كان يدور حول أصل وتأصيل وأساس وتأسيس تلك المنظومة القيمية٬ هل مصدرها الوحى أو العقل أو الفطرة، وكانت القوانين والتشريعات هى مرآة هذه المنظومة

جيل الستينيات ثار ضد هذه المنظومة انطلاقا من تصورات عن الطبيعة البشرية مختلفة تماما عن تلك التى سادت قبلهم٬ فقدسوا الفرد وحقوقه، منها الحق فى عيشة وفقا لميوله٬ وانتقدوا كل السلطات التى كانت تنقل وتلقن وتحرس القيم القديمة وعملوا على هدمها أو على الأقل تحييدها٬ كانوا ضد سلطة الأب والأم والزوج والزوجة وضد سلطة رجل الدين وضد سلطة المدرس٬ كلهم يمنعون الطفل والمراهق والراشد عن التعبير عن ذاته ويفرضون عليه تراثا يقيده لا يحرره.

وبنى هذا الجيل منظومة قيم جديدة تقدس الفرد ورغباته وترى أن دور الدولة صيانة حقوقه والعمل الدؤوب اللامتناهى لتوسيع نطاقها٬ وهذه المنظومة لا تحب الجامعة الوطنية ولا آليات صناعة القيم الوطنية وبثها فهى ترى فيها سبب حروب ومصائب القرن الماضى. ولذلك حاولت تهميشها بتبنى مشروع الوحدة الأوروبية على أمل أن انتماء للقارة سيحل محل الانتماء للوطن.

ونجح حاملو منظومة القيم الجديدة فى بثها وتعميمها وفى تغيير التشريعات لتعكسها٬ القوانين الأوروبية أجازت الطلاق والإجهاض وزواج المثليين ووسائل جديدة للإنجاب. ولم يعد لها أى علاقة بالمسيحية،

وفى الوقت نفسه تراجعت المعرفة بأركان وقيم وتاريخ العقيدة المسيحية٬ حتى فى أوساط من يعرفون أنفسهم بمسيحيين٬ ولا يحاول روا تفسير تلك الظاهرة ولكنه يرصدها٬ ويقول مثلا أن من اتخذ ضد الكنيسة والدين المسيحى موقفا عدائيا فى مطلع القرن العشرين كان أكثر معرفة باللاهوت من مؤمن اليوم٬ ففى فرنسا مثلا٬ كان النائب الذى أشرف على صياغة القانون الذى فصل بين الدين والدولة سنة 1905 حاصلا على دكتوراه فى فكر القديس توما الأكويني٬ ويعرف بدقة معنى وتاريخ المصطلحات الكنسية… بينما لا يعرف مؤمنو اليوم أبجديات العقيدة.

ويقول روا أنه لا يمكن أن يوصف مثل هذا المسيحى بالمؤمن٬ بل تفتضى الدقة القول بأنه فرد يرى أن هويته مسيحية دون أن يكون مؤمنا فعلا أو حاملا لثقافة مسيحية، ويقول إن المسيحيين المؤمنين فعلا والممارسين للعبادات لا يمثلون %10 من الشعوب الأوروبية٬ وأن الكثيرين منهم يميلون إلى بناء تجمعات مغلقة يرأسها غاليا شخصية كاريزمية تمارس الدعوة. ويعنى هذا أنهم يمارسون نوعا من الهجرة الداخلية.

باختصار يرى روا أن المتدينين مسيحيين كانوا أو مسلمين أصبحوا أقلية فى فرنسا وأوروبا٬ وأنهم يشكلون أقليات لا تحب القوانين الوضعية التى لم تعد مسيحية… يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »