توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن

شارك الخبر مع أصدقائك

مهموم 13

أشرت فى المقالة السابقة إلى أن الحوار والمفاوضات ليسا حلا سحريا فى كل الأحوال، فالحوار يقتضى استعداد الطرفين للتوصل إلى صيغة تتمتع بقدر من الاستمرارية، أو على الأقل استعدادهما إن كان الحل مستبعداً، للتقدم بتوضيحات تتمتع بقدر من الصدقية، وللاستماع إلى توضيحات الطرف الآخر، دون افتراض مسبق أنها حتماً كاذبة.

والمشكلة أن هناك على الساحة الدولية من يكذب دائماً ويفترض فى الآخرين أنهم كاذبون، وهنا يواجه الطرف الآخر معضلة، فهو إن أفصح عن قناعته أن نظيره كذوب اتهم بالرغبة فى إفساد الحوار. وعرف التاريخ قادة هيستريين يتفننون فى إفقاد نظيرهم ومحاورهم أعصابه، ثم يقومون باتهام هذا المحاور أنه هيسترى بينما يمثل هو العقل والحكمة.

وكتب فيلسوف معروف كتاباً هاما، حاول فيه تحديد معايير تسمح بالتمييز بين حلول وسطى «شريفة» وقابلة للاستمرار، وحلول وسطى «معفنة» (التعبير تعبيره) تعتبر استسلاما جزئيا أمام شرير، تقويه وتعطيه سلميا جزءاً كبيراً مما يطالب به، وتسمح له بمواصلة الاستعداد للحرب، التى ستقع حتما لإيمان الشرير بضرورتها.

وطبعا كانت اتفاقيات ميونخ التى سلمت نصف تشيكوسلوفاكيا لهتلر دون قتال مقابل وعود ثبت زيفها، كانت تلك الاتفاقيات على بال الكاتب.

لم يعد الكتاب بين يدى لأنه ضاع فى مطار، إلا أننى أذكر أن انطباعى أن الكاتب على صرامته ودقته التحليلية فشل فى وضع معايير مقنعة تصلح لكل زمان ومكان.

ولا أزعم أننى سأنجح حيث فشل، ولكننى أستطيع التقدم بمقترحات إرشادية، تصلح فى أحوال عديدة، عليك دراسة إيديولوجية النظام الذى تتحاور معه، وترى موقفه من الحرب بصفة عامة، ومن الحرب معك بصفة خاصة، فإن رأيته مؤمناً بأن السياسة هى تكملة الحرب بوسائل أخرى، أى بعكس المقولة الشهيرة التى تعرف الحرب بأنها تكملة السياسة بوسائل أخرى، فعليك أن تحترس، لأنه لا يمكن الوثوق بمن يرى أن الأصل فى العلاقات بين البشر هو الصراع المسلح المؤدى إلى خضوع مذل أو إلى تدمير كامل، ويرى أن هذا الأصل محمود وجيد، وأن السلام نوع من الهزيمة أو من السم القاتل.

لا أقول لا تتفاوض معه، ولكننى أقول إنه يتعين عليك أن تعرف أنه لن يحترم الاتفاق إلا لفترة محدودة، تسمح له باسترداد قواه وسيعاود بعدها العدوان، فلا تتوهم أنك حصلت على اتفاق سلام يستحق التنازلات التى قدمتها، ولا سيما إن كانت غير شريفة تقتضى مثلا التخلى عن حلفاء، أو الاستجابة لبعض مطالبه التى تشكل خرقاً واضحا لقواعد القانون الدولى، ويستحسن أن تقارن بين فرصه وإمكانياته فى تنمية قواته العسكرية أثناء الهدنة التى تدعى أنت أنها سلام وفرصك وقدراتك أنت.

ومن ناحية أخرى علينا تحديد معنى الكذب المانع لتصديق الخصم، الفارض لحرص شديد قبل توقيع أى اتفاق سلام، ولاعتبار مثل هذا الاتفاق هدنة سيقوم الخصم بخرقها وإنهائها فى أول فرصة.

هذا التحديد واجب لأن الأصل فى السياسة جواز الكذب دفاعاً عن مصالح الأمة، ولا يمكن محاسبة كل كاذب ورفض التفاوض معه. ويمكننى الذهاب إلى أبعد من ذلك لأقول إن هناك عقائديين لا يمكن التفاوض معهم إلا عندما يلجئون إلى الكذب، بشرط طبعاً ألا تصدق كلمة من كلامهم ومن تطميناتهم.

قد تبدو الجملة الأخيرة صادمة وسأوضحها بمثال، بل يمكن التفاوض مع نظام شيوعى متطرف عندما يقول ما يراه حقيقيا، وهو أنك نظام رجعى (حتى لو كنت اشتراكيا) يجب تصفيته وتدميره والقضاء عليه، ولكنك تستطيع التفاوض معه عندما يدعى أنه يؤمن بسياسة الاسترخاء وبضرورة حدوث انفراج فى العلاقات الدولية. يتبع

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »