توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (99)

شارك الخبر مع أصدقائك

عن تنظيم الضباط الأحرار

قلنا فى المقال السابق إن تنظيم الضباط الأحرار لم ينَل من الدراسة ما يستحقّه، وأحاول سدّ هذه الثغرة الهامة فى التأريخ لمصر.

أولًا كانت هناك بيئة حاضنة. لأسباب سنذكرها كان هناك فى أعداد الضباط المنضمين للتنظيم مَن لا يستمر طويلًا فيه، وكان عدد هؤلاء معتبرًا، ورغم هذا لم يقم أحد «بالتبليغ» عن التنظيم قبل ليلة الثورة. ومن ناحية أخرى كانت القيادات العليا فى الجيش على اتصال بقادة التنظيم… وعلى رأس هذه القيادات حيدر باشا، التفاصيل مثيرة ولا يتسع المجال هنا للخوض فيها، نكتفى بالقول إن دعاية الملك فاروق نسبت الهزيمة العسكرية سنة 48 إلى انعدام كفاءة القيادة، التى غضبت جدًّا وردّت على الاتهام بأحسن منه.. فجرت قضية الأسلحة الفاسدة التى تورَّط فيها عدد من رجال الحاشية.

وكان الملك ينوى تصعيد عدد كبير من شباب الضباط الذين تلقّوا تعليمًا أفضل من تعليم سلفهم، وكانت القيادة غاضبة من هذا التوجه المحاول لترسيخ فكرة أنها المسئولة عن الهزيمة، ورأى شباب الضباط الحانقُ فى هذا التوجه محاولةً لشراء ذممهم..

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1180)

وشاهدت انتخابات مجلس إدارة نادى ضباط الجيش الشهيرة تنسيقًا صريحًا بين القيادات وتنظيم الضباط الأحرار لإلحاق هزيمة قاسية بقائمة الملك. وتحقَّقَ لهم ذلك.

نتحدث بعد ذلك عن قيادة التنظيم. أولًا الثنائى عبد الناصر/ عبد الحكيم عامر متكامل بطريقة نادرة. عبد الناصر كان مفكرًا إستراتيجيًّا من الطراز الأول، ومدرسًا مرموقًا فى كلية أركان حرب، وشعبية عبد الحكيم عامر كانت هائلة، وكان موهوبًا موهبة نادرة يعلم كيف يكتسب صداقات وثقة نظرائه، وكان موفَّقًا جدًّا فى ضم ضباط جدد للتنظيم.

تغلَّب ناصر وعامر على مشكلة رُتبهم المتوسطة التى قد تعرقل عملية ضم أصحاب الرتب الكبيرة إلى التنظيم بضم اللواء محمد نجيب إليه، وطلبوا منه رئاسته، دون أن يطلع على تفاصيل العمل اليومي؛ حمايةً له وإبعادًا له.

مرة أخرى لا يتسع المجال هنا لتحليل شخصيات كل أعضاء القيادة، ونكتفى بالقول إن كلهم بلا استثناء كانوا يتمتعون باحترام وثقة زملائهم أعضاء سِلك الضباط، ولعب هذا التقدير دورًا كبيرًا فى نجاح الحركة وفى تأمين الجيش فى الأيام الأولى التى تلتها. أغلب الضباط كانوا يعرفون شخصًا أو شخصين فى قيادة التنظيم ويثمّنون وطنيتهم وكفاءتهم.

اقرأ أيضا  القهر والكفر والرحيل

أكتفى بمثالين.. المدنيون أى أغلبية الشعب استاءوا، فى السنوات التى تلت الثورة، من عصبية جمال سالم وعنفه اللفظى والبدنى وميله إلى الإجراءات العقابية الرادعة.. أمر مرة باعتقال أغلب قيادات هيئة السكة الحديد.. ضرب مرات شخصيات مرموقة بـ«الشلوط». ولكن العسكريين– قبل 1952 وبعدها- كانوا يثمّنون وطنيته وشجاعته وذكاءه الحاد وقدراته على رسم وتنفيذ سياسات وعلى التغلب على مقاومة المتضررين منها. أما أخوه صلاح سالم فكان معروفًا أنه كان الأول على دفعته فى كلية أركان حرب.

بصفةٍ عامة يمكن القول إن ممارسة السلطة السياسية وتحمُّل مسئولية إدارة دولة اختبار عسير تعرَّض له ضباط كانوا شبابًا.. أو عرضوا أنفسهم له.. بعضهم نجح فى هذا الاختبار، والبعض الآخر فشل. وعلينا كمؤرخين أن نتذكر فقط أن عددًا كبيرًا من الذين فشلوا كانوا ضباطًا ممتازين قبل الثورة، وربما بعدها.

اقرأ أيضا  دولة القانون بين متلازمة مكافحة الفساد.. والتجديد الديني

أعود إلى ناصر وقيادته، ناصر كان يشارك شباب التنظيم فى عنفوان مشاعرهم الوطنية وفى غيرتهم على الوطن وفى الميل إلى الاندفاع لمعاقبة السياسيين الذين لا يصونون حرمة الوطن فى تقديرهم عقابًا قد يصل إلى الاغتيال. ولكنه عامة- هناك استثناء واحد- تميز عنهم بالتفكير الإستراتيجي. كان يفهم أن الاغتيال لن يفيد الوطن ويقضى على التنظيم ويُفشل خططه فى تغيير وجه مصر، وموقفه هذا هو أحد أسباب عدم استمرار عدد من الضباط فى التنظيم.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »