توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (88)

شارك الخبر مع أصدقائك

مع أستاذى مكرم

يومها فى فبراير 2007 اتفق الصحفيون والوزير على خطورة السياسة المتبعة، النظام كان يفقد فئات هامة، ولا سيما عمال القطاع العام والموظفين والشباب، لكن الوزير كان يرى أنه لا توجد خيارات، مصر محتاجة إلى معدلات نمو مرتفعة، ولا سبيل إلى تحقيقها سوى اتباع خطوات ليبرالية. النقيب مكرم – ومعه المرحوم سعد هجرس ومصباح قطب – كانوا يرون أن سلة من الإجراءات الاجتماعية ضرورة، وإن تسببت فى إبطاء النمو. واستعرض الكل خطط تنمية الصعيد وتكلموا عن إمكانية إصلاح القطاع العام وعن كيفية التعامل مع مطالب العمال. كان تقييم هذه المطالب وفقًا للحاضرين يختلف من حال إلى حال، ومن مصنع إلى مصنع. فى بعض المصانع المطالب كانت أكثر من مشروعة، وفى مصانع أخرى كانت ضربًا من ضروب الابتزاز.

خرجت من هذا العشاء حائرًا، من ناحية كان واضحًا أن الحكومة وكبار الصحفيين بنوا معرفة عميقة للمجتمع وللفئات الاجتماعية والفاعلين، وأن الوزير التكنوقراطى شديد الذكاء يتمتع بحس سياسى نادر ويعرف المجتمع المصرى جيدًا.. على الأقل القاهرة والدلتا، ومن ناحية أخرى تساءلت هل هذا الوعى كاف لمنع ثورة من الإطاحة بالنظام.. لتحييد ميل النظام إلى تدمير نفسه؟ ولماذا لا نرى فى صفحات الصحف نقاشات بهذه الحيوية والعمق وبالأرقام المتاحة؟ وطبعًا كنت مذهولًا من مستوى إلمام النقيب بأحوال الاقتصاد والمجتمع.. كنت أعرف أنه عملاق فى العلاقات الدولية وفى تحليل التفاعلات داخل النخبة وأستاذ فى القضايا الثقافية وفى المسائل المتعلقة بالعلاقات بين الدين والسياسة، بين الدولة والمجتمع..

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1124)

وكان النقيب من المقدِّرين لأهمية دور الإمام الأكبر والمعجبين بشخصه، ولعلنا لا نتذكر أن الإمام الأكبر خصَّه بأول حديث له بعد تعيينه شيخًا للأزهر، وكان مكرم من المدركين لصعوبة مهمة الإمام ولأهمية ما يحققه فى هدوء تام، وكان يبدى تعجبه من عجز النخبة المدنية عن متابعة وفهم ما يدور فى المؤسسة الأزهرية.

أنا متأكد مما سبق، ما لا أعرفه بدقة هو موقف الأستاذ مكرم من قضايا تجديد أو تصويب الخطاب الديني؛ لأننى سمعته يقول كلامًا أحيانًا، وما يبدو عكسه أحيانًا أخرى، أظن أنه كان يرى أن هذا التجديد أو التصويب لن يكون مشروعًا أو صاحب شعبية لو تم «ضد» الأزهر، أى لو كان مشروع المثقفين ولا دعم له فى داخل الأزهر، باختصار كان يرى أن جماعة المثقفين أخطأت فى معالجتها لقضية التحالفات اللازمة.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (93)

لا يعنى ما سبق أن النقيب كان ضد خوض المثقفين فى قضايا التفسير والتأويل وتوضيح السياقات التاريخية، أو أنه كان يرى أن كل شيء على ما يرام، لكنه كان يدرك حجم وأهمية وتجذر المؤسسة الأزهرية ودورها فى مناهضة الإرهاب على الصعيدين المحلى والعالمي. وكان يرى أن لمصر مصلحة مؤكدة فى أن يكون الأزهر «المتحدث باسم الإسلام» فى العالم.

وكان مكرم يرى أن «جماعة المثقفين» تلعب دورًا محوريًّا فى إضفاء أو نزع الشرعية عن النظام، وأن الرئيس السادات-على عكس مثلًا البابا شنودة- لم ينتبه إلى هذا فعادى كل التيارات، وأن الرئيس مبارك تعلم من هذا الخطأ وحرص على إبقاء قنوات مفتوحة مع أغلب رموز الثقافة وأقطابها ومع التيارات الفكرية، وبدا لى مرات ومرات أنه شديد الاحترام للرئيس مبارك ويقدِّر وطنيته ودفاعه الصلب عن الثوابت المصرية فى وجه عواصف متكررة، ولكنه أضاف دائمًا أن الفساد فى عصره كان «بلا سقف» وكان «مريعًا».

اقرأ أيضا  مصر الحديثة بين القوى الإمبريالية.. تباعد وتقارب

وتقديره للرئيس مبارك لم يمنعه من القول مرات فى مجالس خاصة أن الرئيس السيسى أدق رؤساء مصر فى حساباته وأعمقهم فهمًا للمجتمع المصرى وللعلاقات الدولية، وأكثرهم شجاعة وجسارة فى اقتحام المشاكل.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »