توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم “8”

شارك الخبر مع أصدقائك

سنة 2013 اتخذ الرئيس أوباما قراراً بعدم تنفيذ تهديده بضرب النظام السورى فى حالة استعماله للسلاح الكيماوي، وسخر من جماعة السياسة الخارجية الأمريكية التى حذرت من تأثير هذا القرار على المصداقية الأمريكية وعلى ردعها. وذكرنا أن الجيش الأمريكى أقوى جيش فى العالم.

ما أشبه الليلة بالبارحة. سنة 2019 قرر الرئيس ترامب سحب قواته من شمال سوريا والتخلى عن الأكراد رغم دورهم فى دحر داعش، تخلى عنهم لصالح تركيا، رغم موقفها المتواطئ مع داعش.

وسخر أنصاره من «البكائيات على المصداقية الأمريكية» مستخدمين حججاً تشبه حجج أوباما.

يمكن طبعاً تفهم بعض وليس كل دوافع الرئيسين، أمريكا لم تعد راغبة فى الانخراط بصراعات الشرق الأوسط، وقدر أوباما أن إسقاط النظام السورى سيتسبب فى فوضى أكبر، وأن احتمالات نجاحات إعادة بناء دولة فى سوريا ضعيفة، فالفشل فى العراق جلى واضح. ورأى الرئيس ترامب أنه من الضرورى محاولة إبقاء تركيا فى منظمة الناتو، ناهيك عن رغبته فى تنفيذ وعده الانتخابى الخاص بإنهاء المغامرات والحملات العسكرية اللانهائية، والتى تدفع جميع الفرقاء إلى الاعتماد على واشنطن، وتسمح لهم بعدم المشاركة فى المجهود.

ومع ذلك ورغم مزاعم أنصارهما فإن القرارات تؤثر بالسلب على المصداقية والمصداقية بالغة الأهمية.

ما حدث هو الآتي، سنة 2013 توصل الرئيس بوتين إلى تشخيص مفاده أن أوباما «خَرَع» ولا يجيد الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة، وأن على روسيا تعظيم مكاسبها أثناء رئاسته، وتدخل فى كل من سوريا وأوكرانيا. وفى التاريخ نفسه قررت الصين إنهاء فترة الكمون الاستراتيجى وإطلاق مرحلة تمدد كونى.

وقلل أوباما من شأن النجاحات الروسية، ورأى فيها تمددًّا ستعجز روسيا عن تحمل أعبائه، وقد يكون من المبكر جدًّا تقييم هذا التنبؤ، لكن المؤشرات الحالية تميل إلى ترجيح كفة الأرباح الروسية، رغم معاناتها الاقتصادية، فهى عادت إلى الشرق الأوسط، وابتلعت منطقة القرم، ولم تنجح العقوبات الغربية فى تركيع موسكو، بل دفعتها إلى التقارب مع الصين، ونجحت موسكو فى إجبار الرئيس التركى إردوجان الذى لا يفهم إلا لغة القوة الخشنة، على احترامها. وللإنصاف فإن النجاحات الروسية قد تبدو هشة ومعرضة للخطر.

ولنكن واضحين، أعتقد أن أوباما كان محقا فى قراره بعدم التدخل فى سوريا، لا ألومه على هذا، ألومه على التلويح بتهديدات رنانة وعلى تصريحات من نوعية «على الأسد أن يذهب»، بينما هو غير راغب فى التدخل، وكانت نتيجة رفع سقف توقعات المعارضة السورية وتراجع مصداقية واشنطن.

وها هو ترامب يرتكب الأخطاء نفسها فهو ينتهج سياسة قائمة على التأرجح بين لغة خشنة والمطالبة بمفاوضات، وعلى التهديد بحروب إبادة وفرض عقوبات قاسية، فى حين أنه لا يريد حرباً، ولا سيما أثناء الحملات الانتخابية، واختار مواجهة مع إيران وهو غير راغب فى التصعيد إلى أقصى حد، فهم الإيرانيون ذلك وتعمدوا إحراجه وإذلاله أمام حلفائه وسيواصلون هذا، والمصداقية الأمريكية فى مهب الريح.

ومن الواضح أن الرئيس التركى توصل إلى تشخيص يشبه التشخيص الإيراني، إلا أن عليه الانتباه إلى التكلفة الاقتصادية لخياره، الاقتصاد التركى أكثر ازدهاراً من الإيرانى، ولكنه أكثر تبعية للخارج.

هناك تفسيران لمبدأ «أمريكا أولا»، الانعزال ورفض التدخل فى الخارج وتحمل نفقات ضمان أمن النظام العالمى من ناحية، ومحاولة إدارة هذا النظام منفرداً ودون التعاون مع الآخرين ودون مراعاة مصالحهم، حاول ترامب الجمع بين المقاربتين ولم ينجح.

كلمة أخيرة… قال معلق مؤيد لترامب إن على أمريكا التزامات تجاه حلفائها، ولا التزامات لها تجاه عملائها، فليعتبر الجميع.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »