توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (6)

شارك الخبر مع أصدقائك

شاركت الأربعاء والخميس والجمعة فى اجتماع اللجنة الاستشارية لمنظمة الواحة وهى منظمة معنية بالحوار المسيحى الإسلامى وتلعب دورا رائدا فيه وأسسها أحد أهم كرادلة الكنيسة الكاثوليكية فخامة الكاردينال أنجلو اسكولا الذى رشح مرات للبابوية ولم يفز بها٬ وهو مثقف رفيع المستوى ملم بأحوال العالم وحياته الفكرية واتجاهاته.

اثمن جدا هذا الاجتماع٬ الضيافة أكثر من كريمة٬ الحوارات جادة٬ وهو فرصة للقاءات مطولة٬ جماعية وثنائية٬ مع قامات فكرية تأخذ المسائل الدينية والفلسفية والسياسية مأخذ الجد٬ بعضها أوروبى وبعضها عربي٬ أذكر منها أوليفيه روا وقد يكون أشهرنا٬ والدكتور حسن راشق٬ عالم الأنثروبولوجيا المغربى صاحب مؤلفات أشهرها “ الإسلام فى الحياة اليومية”.

قيل لنا أننا سنبحث العلاقات بين المسيحيين والمسلمين فى كل من أوروبا والعالم العربي٬ وفى الواقع تشعب الحديث والأوراق المقدمة والمناقشات٬ منا من تناول تاريخ السياسة الدينية للاتحاد الأوروبي٬ ومنا من استعرض الوضع السياسى فى بلاده٬ ومنا من طرح سؤالا حساسا مفاده… الدولة الحديثة أصبحت النموذج السائد عالميا٬ هل شكل وطبيعة هذه الدولة يفرضان نوعا معينا من التنظيم المؤسسى والبيروقراطى لرجال دين طائفة ما…هل هناك نموذج يحب تعميمه أم لا… علما بأن هناك كهنوت فى المسيحية وليس هناك كهنوت فى الإسلام٬ ومنا من تناول العلاقة بين المسيحيين والمسلمين فى الجيوش وأجهزة الشرطة الغربية٬ ومنا من خاض فى مسألة التمويل العربى للجمعيات والمساجد الإسلامية فى الغرب وفى تطور مسألة تكوين وتعليم رجال الدين المسلمين فى أوروبا.. ومنا من بي-ن كيفما أثرت- مسألة الإرهاب على السياسات الدينية الغربية إذ غلب عليها الطابع الأمنى المتوجس٬ وتناول أحدنا بسرعة مسألة الإسلاموفوبيا مبينا وجوب التمييز بين مصدرين مختلفين بل متناقضين للعداء للإسلام٬ من ناحية عداء من يتصور أن القيم الأوروبية هى قيم الستينات٬ ليبرالية كبيرة وفردية مطلقة وتحرر جنسى شبه كامل وتغير الموقف من المثليين والقضاء على وجود الأديان فى الفضاء العام وحصرها فى المجال الخاص٬ واليمين الهولاندى مثال لهذا التيار٬ ومن ناحية أخرى تيار يرى فى المسيحية هوية وطنية أكثر منها تعاليم دينية ويرى أنها شكلت طابع المدن وتنظيم الوقت والعادات والتقاليد٬ هذا التيار معادى للهجرة رغم موقف الكنيسة منها المشدد على تعاليم المسيح. وينتمى سالفينى رئيس الرابطة الإيطالية لهذا المعسكر.

بيد أن الدكتور الشاب مارتينو دياز باغتنا بورقة ممتازة طرحت جديدا٬ تعرض لتأثير قضايا البيئة والاحتباس الحرارى على العلاقات بين أبناء الديانتين فى المناطق المأزومة٬ وتساءل كيف نجعل من هذا التحدى فرصة للتعاون ولتجديد الخطاب الدينى والفلسفى. بين مارتينو أن وضع البيئة فى منطقتنا وفى جوارها تخطى نقطة اللاعودة٬ واستند على صور قديمة وجديدة لإثبات خطورة التدهور٬ نهر بردى الذى جعل من دمشق جنة مصغرة فى طريقه إلى الاختفاء٬ بحيرة تشاد فقدت ثلاثة أرباع مياهها٬ البصرة تعانى من تدابير تركيا وإيران التى قررتا الاحتفاظ بالماء٬ مع استمرار إيران، رمى زبالتها فى المياه التى تصل إلى المدينة المنكوبة٬ لا مياه صالحة للشرب فيها ولا كهرباء ومائة ألف مصاب بالكوليرا٬ مائة مليون مصرى ومائة مليون إثيوبى سيتصارعون على مياه النيل٬ حتى لبنان تئن لأن عدد سكانها زاد بسبب المهاجرين السوريين.

القضايا الدينية والفلسفية مهمة٬ الديانتان تجتمعان فى تصوير الإنسان على أنه خليفة الله على الأرض٬ وأصبح لزاما عليها التشديد على القول أن الله أمره بعدم الإفتراء فى تعامله مع الطبيعة٬ وعليها ألا تترك قضايا الطبيعة للخضر الذين يتبنون مواقف مناهضة للقيم الإنسانوية٬ وعليها مراجعة مفهوم العدل والحرية الفردية الخ.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »