خواطر مواطن مهموم «50»

توفيق اكليمندوس

6:39 ص, الأحد, 9 أغسطس 20

أعود إلى مناقشة الجدل حول ثورة يوليه وتاريخ مصر. بداية أقول إننى لا أعادى النظام الملكى فى حد ذاته ولا الجمهورية. وأذهب إلى أبعد من هذا لأقول أن هناك حاكمًا مصريا ظلمه المؤرخون وأراه من بناة مصر الحديثة العظماء وهو الملك فؤاد. الذى حكم وتحرك فى أجواء بالغة الدقة وأسهم بقدر كبير فى بناء المؤسسات وفى إطلاق الطاقات وتنميتها، وفى الارتقاء بالتعليم ونجح إلى حد كبير فى التعامل مع معضلات عصره وضروراته المتناقضة. منها الموازنة بين مقتضيات التحرر الوطنى والتحديث، وبين التراث والمعاصرة.

ولكنه لا يمكن الدفاع عن الملك فاروق، أو بمعنى أدق، من السهل أن نجد له ظروفاً مخففة مقنعة، ولكن من المستحيل الدفاع عن أدائه. نعم تُوّج ملكاً قبل أن يكمل تعليمه فلم يكن مؤهلًا لفهم بعض القضايا، نعم كانت ظروف حياته الخاصة مؤلمة مؤثرة، نعم نستطيع مناقشة دور الحاشية – خدمته أحيانًا وظلمته أحيانًا أكثر. نعم طالته اتهامات ظالمة… كان وطنيا وله حس سياسى رفيع المستوى وإن لم ينجح فى تحييد قدراته على تدمير الذات. وكان مسلمًا متدينًا، على عكس ما قيل. ويمكننا تفهم انحيازه لقوات المحور، بمنطق عدو عدوى صديقى، ونظرًا لأجواء الثلاثينات من القرن الماضى، ولأنه بدا فى وقت ما – بعد انهيار فرنسا- أن النصر سيكون من نصيبه.

ولكنه لم يلتزم الحيطة، ولم يفهم أن دخول الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الحرب ضد ألمانيا واليابان وإيطاليا معناه أن الحرب حُسمت، وظل يقامر بمستقبل بلده حتى حدثت الطامة الكبرى، حادث 4 فبراير 1942 وبعده لام الجميع – الوفد الذى قبل تشكيل حكومة على أسنة رماح الإنجليز، والشعب الذى لم يسانده، والبريطانيين- وخضع للبريطانيين خضوعًا شبه كامل وأمضى حكمه يسعى إلى الانتقام من الوفد باغتيال مصطفى النحاس. وأثر خوفه من المد الشيوعى على سياساته تأثيرا سلبيا.

ولفترة طويلة تحالف مع الإخوان ومصر الفتاة ضد الوفد وحاول توظيفهما وساعدهما على التمدد. ولعب دورًا غير مسئول فى ازدياد معدلات العنف فى الحياة السياسية المصرية، حيث سمح لمقربين له بتكوين مجموعة صغيرة مارست الاغتيالات وهى منظمة الحرس الحديدى. ولكن الطامة الكبرى هو عجزه عن التعامل مع الأزمة الاجتماعية التى تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تسبب رحيل قوات الحلفاء فى فقدان المصانع الجديدة لزبائنها (نصف مليون جندي)، إلى جانب تدهور الأحوال المعيشية فى الريف. وحاول اكتساب شرعية جديدة بدخول حرب فلسطين… ولم تكف شجاعة ضباط وجنود الجيش لتعويض الفارق الواضح فى التسليح وفى موازين القوة الدولية وفى مهارات إدارة الصراع السياسى وفى سوء قيادة القمة. ولم ينتبه إلى ضرورة ضبط سلوكه الشخصى والكف عن التردد العلنى على أماكن معينة طالما بقى الحصاد السياسى سيئاً. والحق بقال لم تساعده عائلته ولا حاشيته.

لا نريد أن نقسو على أحد، الوضع فى مصر كان مأزومًا مع صعود طبقات مدينية جديدة وتيارات فكرية يمينية ويسارية متطرفة وصعوبة تحقيق تقدم فيما يتعلق بالتحرر الوطنى وتدهور الوضع الأمنى، ونتفهم تشكك فاروق فى «نصائح» الغربيين الذين ألحوا عليه ليقود إصلاحًا زراعيا يخلق طبقة صغار ملاك تدعم العرش. كيف تطالب ملكًا بقطع ذراعه السياسى والتخلى عن قاعدة حكمه – الملكية الزراعية الكبيرة- مقابل مكاسب محتملة غير مضمونة؟

ومن ناحية أخرى تتحمل كل القوى السياسية الفاعلة أيامها – مسئولية أزمة النظام، الدرجات متفاوتة، الملك المسئول الأكبر لكنه ليس الأوحد. ومن ناحية أخرى كانت هناك مشكلة قيادات.. النحاس وإسماعيل صدقى وعلى ماهر أصبحوا مسنين، شأنهم شأن الهضيبى، النقراشى وأحمد ماهر قتلا، القيادات الجديدة لم تظهر بعد باستثناء فؤاد سراج الدين.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية