خواطر مواطن مهموم "5"

توفيق اكليمندوس

7:12 ص, الأحد, 22 سبتمبر 19

أواصل مشوارى مع كتاب ماليا «روسيا فى عيون غربية» وأشدد على النقطة التالية… الخطاب عن روسيا هو جزء من الخطاب عن الذات، وكانت رؤية المفكرين الغربيين (فرنسيين وبريطانيين) للعالم ولشعوبهم فى النصف الأول من القرن الثامن عشر، قابلة للتلخيص فى ضرورة بث من القمة إلى العامة، لقواعد التفكير العلمى ولقيم التسامح الدينى، اشترك الحكام والمثقفون فى تحقيرهم للعامة وفى ضرورة تهذيبها واختلفوا فى نقاط كثيرة.

ونلفت النظر لنقاط عديدة. لم يكن المفكرون فى تلك الفترة من أنصار إنهاء الحكم الملكى، تلك الفكرة ظهرت لاحقًا مع روسو، بل كانوا من أنصار حثه على بث قيم التنوير، ولم يعتبروا روسيا معقلا للرجعية وللتخلف ولأنصار «نظام قديم» انتهت مدة صلاحيته، تلك النظرة صاحبت وتلت الثورة الفرنسية، فى النصف الأول من القرن الثامن عشر كانوا يرون فى قيصر روسيا حاكما ومستبدا مستنيرًا شأنه شأن غيره، بل يمتاز عن غيره فى سخائه فى تمويل المثقفين وأعمالهم وفى الاستماع إليهم وفى استضافتهم. لا يعلم الكثيرون هنا أن الإمبراطورة كاترين مولت «الموسوعة» وهى أهم أعمال عصر التنوير، واشترت مكتبة المفكر الفرنسى ديدرو بسعر مبالغ فيه، مع السماح له بالاحتفاظ بها مادام حيا. وكان سلفها فى حوار دائم مع الفيلسوف لايبنيز، وهلم جرَّا.

ونحن اليوم فى عصر، يرى فى كل عرض للتاريخ رسالة مستترة تحمل مضامين، ولذلك أفضل الصراحة، ما أقوله إن التاريخ الأوروبى انطلق من عملية تحديث فوقى سلطوى، وأن قيم وممارسات الحضارة تم بثها من خلال مؤسسات تعليمية استهدفت فى المقام الأول النبلاء والأغنياء، وباختصار علينا أن نميز بين حالات لعب فيها رجال الدين الدور الرئيس فى بث القيم الجديدة، وحالات اشتركوا فيها مع غيرهم فى القيام بتلك العملية، وحالات تمت تلك العملية بعيدًا عنهم بل وضدهم، وكانت روسيا من ضمن المعسكر الأخير، لرفض رجال الدين الخطاب الجديد، وطبعًا يفرض السؤال التالى نفسه، هل هذا الاستبعاد الضرورى فى الحالة الروسية أثر على النتيجة النهائية؟ بمعنى أن الشعب ظل متمسكًا بالخطاب القديم الذى يبثه رجال الدين المتواجدون فى وسطه، بينما ظل الخطاب الجديد محصورًا فى فئات معينة ظلت أقلية وإن تزايد عددها وأهميتها مع مرور الوقت.

القضية أكثر تعقيدًا، من ناحية القيصر ظل محتاجًا إلى الخطابين، الخطاب الدينى الذى كرس قيم الطاعة والحب له، والخطاب التحديثى الضرورى لبناء جيش قوى، والمعضلة ظلت… كيف تقنع مواطنا مؤمنًا بقيم المواطنة أن يظل عبدًا وكيف تقنع عبدًا أن يتبنى قيم التفكير النقدى مع بقائه عبدًا؟ ومن ناحية أخرى لعب تحالف الجغرافيا والفقر دورًا فى تكريس السلطوية.

التحديات الأمنية كانت مريعة فى روسيا، التى كان يمكن آنذاك غزوها من الجنوب والشرق والغرب، حدودها واسعة جدًا، ومنافذها على البحار ضيقة، حجم التحديات أجبر الدولة على التوسع فى السخرة وفى استغلال الفقراء مما أبقاهم فى دائرة البؤس.. إلخ، كل هذا أدى إلى وضع ظل فيه المجتمع مخنوقا تابعًا للدولة غير قادر على تحديث ذاته بذاته، مع استثناءات محدودة زمنيا.

وأتوقف قليلاً عند نقطة تمويل روسيا للمفكرين الغربيين، لأقول إن قياس الوضع الحالى على تلك الظاهرة قياس مع الفارق، روسيا لم تكن تستهدف قلب أنظمة حكم، ولا هز عروش، ولا فرض نظام معين، ولم تكن تبث كلامًا تافهًا، ولم تكن فى تلك الفترة تشكل تهديدًا على الدول الغربية، كانت تريد تحسين صورتها وصور حكامها، واستيراد أفكار وخبرات توظف لبناء دولتها، وكان المثقفون أيامها محتاجين إلى دعم من يصرف عليهم.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية